إيران: انكسار الظل و ترميم الهيبة
شكّلت التطورات العسكرية والجيوسياسية في المرحلة الأخيرة منعطفًا تاريخيًا في العقيدة الأمنية والعسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث انتقلت طهران من استراتيجية الدفاع الهجومي عبر الوكلاء الإقليميين إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية و«الكيان الصهيوني المؤقت»، التي أعادت رسم الخطوط الحمر الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، جاء قبول طهران بوقف إطلاق النار ليثير تساؤلاتٍ جوهريةً: هل كان هذا القبول تراجعًا تكتيكيًا ناتجًا عن استنزاف، أم أنه اعترافٌ بحدود القوة في ظل ضغوط الحلفاء الكبار؟
إن القراءة العميقة للمشهد تشير إلى أن إيران حققت نصرًا استراتيجيًا في ترميم منظومة ردعها التي تآكلت بفعل سنواتٍ من حرب الظل، خاصةً بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020، لكنها اصطدمت بسقف الحسابات الدولية الروسية – الصينية التي فضّلت استقرارًا باردًا يحمي مصالحها الحيوية على حافة الهاوية.
لقد دخلت إيران الحرب الأخيرة وهي تدرك أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد صالحةً لحماية أمنها القومي. كانت الاغتيالات التي طالت قادتها، وعلى رأسهم المرشد الأعلى السابق السيّد علي خامنئي، والضربات التي استهدفت منشآتها السيادية، تتطلب ردًا يكسر الهيبة الأمنية للخصم.
وبالفعل، نجحت طهران في فرض معادلةٍ جديدةٍ مفادها أن العمق «الصهيوني» والقواعد الأميركية في المنطقة لم تعد مناطق محصّنة، وأن المسافة الجغرافية لم تعد عائقًا أمام وصول الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية.
هذا التحول لم يكن عملًا عسكريًا فحسب، بل كان إعادة ضبطٍ لميزان القوى الإقليمي، حيث أثبتت إيران أنها تمتلك القدرة على تنسيق جبهاتٍ متعددةٍ في وقتٍ واحد، محوّلةً مفهوم وحدة الساحات من شعارٍ تعبويٍ إلى واقعٍ ميدانيٍ كبّد الاقتصاد العالمي تكاليف باهظةً ووضع أمن الطاقة على المحك.
ومع ذلك، فإن الرضوخ الإيراني لوقف إطلاق النار لم يأتِ نتيجة انكسارٍ عسكري، بل كان استجابةً لتعقيدات المشهد الدولي. هنا يبرز الدور المحوري لكلٍ من موسكو وبكين، اللتين تجمعهما بطهران شراكاتٌ استراتيجية، لكنهما تختلفان معها في سقف المواجهة.
روسيا، الغارقة في تعقيدات الحرب الأوكرانية، لا ترغب في رؤية اشتعالٍ كليٍ في الشرق الأوسط قد يضطرها إلى استنزاف مواردٍ عسكريةٍ أو سياسيةٍ هي بأمسّ الحاجة إليها في جبهتها الشمالية. أما الصين، التي تعتمد بشكلٍ حيويٍ على تدفق الطاقة من الخليج، فقد رأت في استمرار الحرب تهديدًا لمبادرة الحزام والطريق واستقرار الأسواق العالمية.
لذا، آذارت العواصم الكبرى ضغوطًا ناعمةً وخشنةً على طهران للقبول بتهدئة، حتى لو كانت هذه التهدئة «هشّة» وتفتقر إلى اتفاقٍ سياسيٍ شاملٍ يضمن عدم العودة للسلاح.
إن أخطر ما في وقف إطلاق النار الحالي هو كونه إجرائيًا محضًا؛ فهو يفتقر إلى ضماناتٍ حقيقيةٍ تمنع تجدّد الصراع. فـ«الكيان الصهيوني المؤقت» لم يتعهد بوقف استراتيجيته المتمثلة في «المعركة بين الحروب»، وإيران لم تتنازل عن طموحاتها الإقليمية أو برنامجها التسليحي.
هذا الوضع يخلق حالةً من السلم المسلح أو الهدوء القلق، حيث يستغل كل طرفٍ هذه الفترة لإعادة التقييم وسدّ الثغرات التقنية التي كشفتها المواجهة. إيران، من جهتها، ترى أنها حققت مكاسبها في إثبات المقدرة، وأن الاستمرار في الحرب قد يؤدي إلى خسارة الحشد الدولي والروسي – الصيني الذي تحتاجه في ملفاتٍ أخرى، أهمها الملف النووي وكسر العزلة الاقتصادية.
بالنظر إلى المستقبل، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مسارين لا ثالث لهما. المسار الأول هو الانفجار المؤجل، حيث ينتظر كل طرفٍ اللحظة المناسبة لتوجيه ضربةٍ قاضية، خاصةً إذا ما شعرت إيران أن الردع الذي بنته بدأ يتآكل مجددًا بفعل عملياتٍ نوعيةٍ للخصم.
أما المسار الثاني، فهو التسوية الكبرى التي قد تفرضها القوى الدولية، وهي تسويةٌ تعترف بمكانة إيران كلاعبٍ إقليميٍ لا يمكن تجاوزه مقابل ضماناتٍ أمنيةٍ صارمة.
لكن، وفي ظل غياب الثقة المتبادلة، يبقى الاحتمال الأول هو الأرجح. إن صمود وقف إطلاق النار سيبقى رهينًا بمدى قدرة القوى الدولية على لجم الرغبات الصدامية للأطراف المتحاربة، خاصةً مع تعاظم الأوهام التوسعية «الصهيونية» في المنطقة، وهو أمرٌ يزداد صعوبةً مع كل تطورٍ تقنيٍ في ترسانة الأسلحة غير التقليدية.
وهنا يمكن القول إن إيران قبلت بـ«نصف اتفاق» لأنها حصلت على «كل الردع» الذي كانت تحتاجه في هذه المرحلة، تاركةً الباب مواربًا أمام جولاتٍ قادمةٍ ستكون، بلا شك، أكثر تعقيدًا وعنفًا إذا لم يتم تدارك الفراغ السياسي الذي خلّفته المدافع. فالصراع في الشرق الأوسط انتقل من مرحلة الوكالة أو عبر الحلفاء إلى مرحلة الأصالة والمواجهة المباشرة، وهذا بحد ذاته يغيّر كل الحسابات المستقبلية للأمن العالمي.
سجاد طعمه حمود – كتابات
