رؤية الانتلجنسيا المصرية لإيران وجبهة المقاومة
قراءة في العدد 136 من “الملف المصري” – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (آذار 2026)
مقدمة منهجية
يمثّل العدد 136 من «الملف المصري» الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وثيقةً مرجعية لفهم الكيفية التي تقرأ بها النخبة المصرية الرسمية وشبه الرسمية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران المندلعة في 28 شباط 2026. يضمّ العدد سبع مقالات لباحثين متخصصين تغطي الأبعاد الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية والعسكرية والإقليمية (محور المقاومة، دول الخليج) والدولية والاقتصادية.
أولاً: البنية المعرفية للعدد – ملامح عامة
يتّسم العدد بخصائص بنيوية تستحق الرصد قبل الدخول في التحليل الموضوعي:
التنوع المؤسسي للكتّاب: يجمع العدد بين باحثين من مركز الأهرام نفسه (كريم القاضي، مهاب عادل، محمد عز العرب، أحمد قنديل، معتز سلامة) وخبراء من خارجه (وائل ربيع من الأكاديمية العسكرية، محمد حسن الزيبق من جامعة الأزهر، إيناس نادي من مركز المعلومات بمجلس الوزراء). هذا التنوع يعكس رغبة في إضفاء شمولية، لكنه يبقى داخل المنظومة الرسمية وشبه الرسمية مما يحدّ من التعددية الفكرية الحقيقية.
الاعتماد المكثف على المصادر الغربية: تكاد تكون جميع المراجع المستخدمة من مصادر أمريكية وأوروبية وإسرائيلية (Politico، NYT، Reuters، Foreign Affairs، Times of Israel، Haaretz). وفي حين يمنح هذا العمل مظهراً أكاديمياً رصيناً، فإنه يكشف عن غياب شبه تام للمصادر الإيرانية والروسية والصينية والعربية المستقلة، ممّا ينتج رؤية أحادية الزاوية للصراع رغم تعدد أطرافه.
الخطاب التوازني المحسوب: يلتزم العدد بلغة توازنية حذرة، تنتقد واشنطن وتل أبيب بصوت مسموع لكن مضبوط، وتصف إيران بمزيج من الاحترام التقني (لقدراتها العسكرية وتماسكها المؤسسي) والتحفظ السياسي (تجاه مشروعها الإقليمي). هذا الخطاب يعكس الموقف الرسمي المصري الذي يسعى لحفظ مسافة من جميع الأطراف.
ثانياً: الأفكار المحورية – تلخيص وتفكيك
1. المقالة الأمريكية (كريم القاضي): «حرب ترامب لا حرب أمريكا»
يقدّم القاضي أطروحة مركزية مفادها أن الحرب هي «حرب اختيار» وليست «حرب ضرورة»، مستنداً إلى غياب أدلة «الخطر الوشيك»، وضعف التأييد الشعبي (27% فقط)، وتقاعس الكونغرس، وتصدّع تحالف «ماجا». التحليل قوي في رصد التناقضات الداخلية الأمريكية، لكنه يتجنّب السؤال الأعمق: لماذا وافقت المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية على تنفيذ الحرب رغم اعترافها بغياب الخطر الوشيك؟ هذا التجنب يحجب الدور البنيوي للمجمع الصناعي-العسكري واللوبي الصهيوني في صناعة القرار الأمريكي.
2. المقالة الإسرائيلية (مهاب عادل): حسابات العائد والتكلفة
يقدّم عادل تحليلاً تفصيلياً للحسابات الإسرائيلية عبر خمس محددات (جيوسياسية، أمريكية، ائتلافية، داخلية، عملياتية). الأطروحة المركزية هي أن إسرائيل تسعى لتحويل نفسها من «طرف مدعوم من راعٍ» إلى «الراعي الجديد» و«شرطي المنطقة». هذا التحليل يتقاطع مباشرة مع سردية جبهة المقاومة حول مشروع «إسرائيل الكبرى» وأن الحرب ليست فقط ضد إيران بل ضد كل دولة مركزية كبرى في المنطقة (بما فيها مصر وتركيا). غير أن المقالة تتعامل مع هذا المشروع بحياد تحليلي بارد، دون أن تضعه في سياقه الاستعماري التوسعي.
3. المقالة الإيرانية (محمد حسن الزيبق): إعادة هندسة توازنات السلطة
تتميّز هذه المقالة بعمقها في تحليل البنية المؤسسية الإيرانية ما بعد اغتيال [السيد] الخامنئي. يقدّم الزيبق قراءة دقيقة لـ”صراعات” القوة الخمسة (الحرس مقابل المؤسسة الدينية، مسألة التوريث، المحافظون مقابل الإصلاحيين، الجيل القديم مقابل الجديد، البعد الإقليمي). الأطروحة المركزية هي أن النظام الإيراني «مؤسسي مركّب لا يعتمد فقط على الكاريزما الفردية». والأهم هو إدراجه لمقالة أحمد غلامي في صحيفة «شرق» التي تقرأ المجتمع الإيراني من زاوية «سيكولوجيا السياسة» (الخوف المشترك مقابل الأمل)، وهي زاوية نادرة في التحليلات العربية لإيران.
4. المقالة العسكرية (وائل ربيع): الأهداف والقدرات وحدود القوة
تقدّم هذه المقالة أكثف تغطية تقنية في العدد، مع خرائط وجداول تفصيلية لبنك الأهداف الأمريكي-الإسرائيلي والإيراني. الأطروحة المركزية هي أن إيران تعتمد على استراتيجية «الردع بالإنهاك» و«تشبع الدفاعات الجوية» عبر تنسيق عمليات وحدة الساحات. المقالة تسجّل بموضوعية إسقاط مقاتلتين أمريكيتين فوق إيران، وهو ما يقوّض سردية التفوق الجوي المطلق. لكنها تتعامل مع استهداف المدارس والمدنيين الإيرانيين بلغة إحصائية محايدة دون توصيفه بجرائم حرب، على خلاف ما فعلته مع حرب غزة.
5. مقالة محور المقاومة (محمد عز العرب): حسابات الانخراط
يميّز عز العرب بين ثلاثة أنماط من الانخراط: حزب الله (انخراط كامل بحكم الارتباط العقائدي)، الفصائل العراقية (انخراط متدرّج بتفويض رسمي)، وأنصار الله (انخراط حذر ومتأخر). الأطروحة المركزية هي أن «وحدة الساحات» تعمل بمنطق «التصعيد المتدرّج» لا المواجهة الشاملة. يسجَّل للمقالة تعاملها مع جبهة المقاومة ككيان استراتيجي فاعل لا مجرد «أذرع إيرانية»، وهو ما يعكس نضجاً تحليلياً. لكنها تتجاهل البعد القيمي والعقائدي لهذه الجبهة، وتختزله في حسابات تكتيكية.
6. المقالة الخليجية (معتز سلامة): الحاجة إلى ضمانات
تقدّم هذه المقالة الطرح الأكثر جرأة في العدد من حيث الرؤية المستقبلية. الأطروحة المركزية هي أن أمن الخليج يحتاج إلى «ضمانات للازدهار والتنمية» وليس فقط ضمانات عسكرية. وتطرح بديلاً عن التحالف مع “إسرائيل” يتمثل في «الثلاثي العربي-الإسلامي» (مصر وتركيا وباكستان) كحاضنة أمنية. هذا الطرح، بغض النظر عن واقعيته، يتناقض مع الواقع الهيكلي للدولة المصرية الذي يأتي الكلام عليه لاحقًا.
7. المقالة الدولية (أحمد قنديل) والاقتصادية (إيناس نادي)
تقدّم المقالتان قراءة للتداعيات على النظام الدولي والاقتصاد العربي. تسجّل مقالة قنديل مفهوم «الشرعية الانتقائية» كوصف دقيق لمآذارات القوى الكبرى، فيما تقدّم مقالة نادي بيانات مهمة عن هشاشة الاقتصاد المصري أمام صدمات الطاقة.
ثالثاً: المسكوت عنه – ما لا يقوله ملف الأهرام
يمكن تحديد فجوات جوهرية في خطاب مركز الأهرام:
1. غياب النقد الذاتي للموقف المصري
لا يتضمن العدد أي نقد حقيقي للسياسات المصرية التي أوصلت البلاد إلى حالة العجز الاستراتيجي الراهنة وسلسلة «الأخطاء الاستراتيجية» التي تشمل: المديونية الخارجية (164 مليار دولار)، والتبعية الطاقية لإسرائيل عبر صفقة الغاز (35 مليار دولار)، وسوء إدارة ملف سد النهضة، وإغلاق المجال العام. وغيرها من القيود الهيكلية التي تفسّر لماذا تقف مصر عاجزة عن لعب أي دور فاعل في الأزمة، لكن ملف الأهرام يتعامل مع الموقف المصري كأنه “خيار حكيم” لا نتاج عجز بنيوي.
2. التعامي عن التبعية الطاقية
يناقش العدد أثر الحرب على أسعار الطاقة ومضيق هرمز، لكنه يتجاهل تماماً أن مصر نفسها أصبحت مستورداً صافياً للغاز “الإسرائيلي”.
3. الاختزال الأداتي لجبهة المقاومة
رغم الاحترام التقني الذي يبديه العدد لقدرات جبهة المقاومة، فإنه يتعامل معه كظاهرة عسكرية-تكتيكية بحتة، ويتجاهل البعد القيمي والشعبي، فعلى الرغم من الانحياز الفطري للعقل الجمعي المصري تجاه المقاومة، النابع من الموروث الصوفي الأزهري ومحبة آل البيت والذاكرة الناصرية. إلا أن هذا البعد غائب تماماً عن تحليلات مركز الأهرام التي تتعامل مع الرأي العام المصري كمتغيّر هامشي.
4. تبرير الموقف الخليجي بدل نقده
يقدّم العدد تبريراً مطوّلاً لعدم انخراط دول الخليج في الحرب بوصفه «حكمة استراتيجية»، فيما تكشف تحليلات أن دول الخليج رفضت حتى التنسيق مع مصر حول إعادة إحياء مقترح «القوة العربية المشتركة»، وأن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبدالله شنّ حملة تقليل من شأن المبادرة المصرية. هذا يكشف عن تفكك عربي عميق يتجاوز «البراغماتية» إلى حالة من الانعزالية الخليجية.
5. غياب البعد الأخلاقي والقانوني
في الوقت الذي يوثّق فيه العدد استهداف مدرسة «شجرة طيبة» (175 شهيداً من الأطفال) و600 مؤسسة تعليمية و14 مرفقاً طبياً في إيران، فإنه يتناول ذلك بلغة إحصائية باردة دون توصيف قانوني واضح. بينما يشير فقط إلى «تحذيرات من خبراء أميركيين بأن الضربات قد تشكل جرائم حرب». هذا التردد في التوصيف القانوني يعكس الموقف الرسمي المصري الحذر من أي مواجهة قانونية مع واشنطن.
رابعاً: رؤية المصريين لإيران – خريطة الإدراك
استناداً إلى العدد، يمكن رسم خريطة إدراك مركّبة:
المستوى الرسمي (مركز الأهرام كممثل): يرى إيران كدولة ذات قدرات مؤسسية محترمة ومشروع إقليمي مقلق، ويتعامل معها بمنطق «الاحتواء لا الإسقاط». ويرفض ملف الأهرام فكرة “انهيار النظام الإيراني” ويعتبرها غير واقعية. لكنه يتحفّظ على نموذج ولاية الفقيه ويرى فيه تهديداً بنيوياً لنموذج الدولة الوطنية المصرية.
المستوى الشعبي (كما تكشفه دراسات سابقة[1]): ينحاز بعمق إلى جبهة المقاومة بما فيها إيران، ليس حباً في النموذج الإيراني بذاته، بل كتعبير عن الرفض الجمعي للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية. هذا الانحياز متجذّر في الموروث الصوفي (محبة آل البيت)، والذاكرة الناصرية (الكرامة والسيادة)، وانهيار النموذج الإخواني البديل.
الفجوة بين المستويين: هي فجوة هائلة ومتنامية. النخبة الرسمية تتحدث بلغة «التوازن» و«البراغماتية»، فيما الشارع يرى في المقاومة استعادةً رمزية للكرامة المهدورة. هذه الفجوة هي أحد أخطر التهديدات للاستقرار الداخلي المصري.
خامساً: رؤية المصريين لجبهة المقاومة – بين الإعجاب والتوجس
يكشف ملف الأهرام عن علاقة مركّبة مع جبهة المقاومة:
- الإعجاب التقني والعسكري: يسجّل ملف الأهرام بموضوعية لافتة القدرات العسكرية لإيران وحلفائها، من الصواريخ فرط الصوتية إلى عمليات «تشبع الدفاعات»، إلى صمود النظام أمام محاولات الإسقاط. هذا الإعجاب التقني ينعكس شعبياً بشكل مضاعف.
- التوجس من النموذج: تبقى النخبة المصرية متوجسة من نموذج «ولاية الفقيه» ومن الدور الإقليمي للحرس الثوري. هذا التوجس ليس طائفياً بالمعنى الضيق، بل هو قلق من نموذج يدمج الدين بالسياسة بشكل يتناقض مع تقليد الدولة المصرية المدنية-العسكرية.
- المفارقة: أن مصر ترفض نظرياً جبهة المقاومة فيما تعترف عملياً بأنه الطرف الوحيد الذي يقاوم المشروع الذي يهدد مصر نفسها (إسرائيل الكبرى). هذه المفارقة هي المحور الخفي الذي يدور حوله العدد بأكمله دون أن يصرّح به.
القراءة الاستراتيجية والعسكرية المصرية لحرب رمضان 2026
في القراءة المصرية للأحداث يُشكل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي المباشرة على إيران، الذي اندلع في 28 شباط 2026، محوراً أساسياً في التحليل الاستراتيجي المصري. حيث تُمثل هذه الحرب، التي جاءت استكمالاً للموجة الأولى في حزيران 2025، اختباراً قاسياً لطبيعة النظام الدولي وتوازنات القوى الإقليمية.
1. شخصنة القرار و”الشرعية الانتقائية”
يُحلل الخبراء المصريون اندلاع الحرب باعتبارها “حرب اختيار” وليست “حرب ضرورة”. فلم تقدم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أي دليل مادي (كصور الأقمار الصناعية) يثبت وجود “تهديد وشيك” من قبل إيران يبرر العمل العسكري. بل على العكس، كانت المفاوضات في جنيف، برعاية سلطنة عُمان، تحرز تقدماً ملحوظاً، حيث وافقت إيران على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب والقبول بتفتيش صارم.
يُعزى قرار الحرب إلى تلاقي طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي استغل حرص ترامب على مكانته التاريخية لدفعه نحو المواجهة عبر تقديم تقارير استخباراتية مزعومة عن نية الحرس الثوري اغتيال ترامب. اتخذ ترامب القرار منفرداً، متجاهلاً الكونجرس والرأي العام الأمريكي (حيث أيد 27% فقط الحرب وخرج 8 ملايين في مظاهرات “لا ملوك”)، ومتجاهلاً حلفاءه الأوروبيين في الناتو ودول الخليج، وهو ما يعكس نهجاً انعزالياً وسياسة “أمريكا أولاً”.
على الصعيد الدولي، كشفت الحرب عن أزمة هيكلية في النظام الأممي وتكريس لمنطق “الشرعية الانتقائية”. فمجلس الأمن الدولي بات عاجزاً عن كبح جماح القوى الكبرى، حيث استخدمت واشنطن الفيتو لمنع قرار روسي بوقف العمليات، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت على قرار يدين هجمات إيران المضادة. هذا الانقسام يؤكد أن القواعد الدولية باتت خاضعة لموازين القوة والمصالح بعيداً عن نصوص القانون الدولي.
2. التحليل الميداني: الاستراتيجية العسكرية المتبادلة
استهدفت الحملة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة شل قدرات الدولة الإيرانية. سعت واشنطن لتدمير البرنامج النووي والبنية الصاروخية وإضعاف وكلاء إيران، مترافقة مع غاية سياسية غير معلنة صراحة بتغيير النظام من الداخل وتكرار “نموذج فنزويلا” باستهداف رأس السلطة وترك الهيكل قابلاً للترويض.
3. إيران ما بعد خامنئي: الصمود المؤسسي و”الخوف المشترك”
على عكس التوقعات الغربية والإسرائيلية بانهيار النظام الإيراني فور اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، أظهر النظام تماسكاً مؤسسياً لافتاً. تم تفعيل المادة 111 من الدستور بسرعة، وشُكل مجلس قيادة مؤقت (يضم بزشكيان ومحسني وأعرافي) لمنع الفراغ السياسي، تلاه اجتماع استثنائي افتراضي لمجلس خبراء القيادة أسفر عن انتخاب “مجتبى خامنئي” مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية.
تُحلل النخبة المصرية هذا الانتقال السريع بأنه يعكس طبيعة النظام الإيراني ككيان مؤسسي مركب لا يرتكز فقط على الكاريزما الفردية. توالت بيانات التأييد والمبايعة من مختلف أطياف النخبة (هيئة الأركان، حسن الخميني، حسام الدين آشنا، أحمدي نجاد، وحسن روحاني)، والتي اتفقت على ضرورة الوحدة في مواجهة الخطر الخارجي ورفض سيناريوهات “التغيير من الداخل” المدعومة أمريكياً.
ومع ذلك، لا تخفي القراءة المصرية وجود صراعات مكتومة داخل مراكز القوة الإيرانية؛ خاصة بين مؤسسة “الحرس الثوري” التي يتصاعد نفوذها الأمني والعملياتي (كما تجلى في تعيين محمد باقر ذوالقدر خلفاً لعلي لاريجاني في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي)، وبين المؤسسة الدينية التقليدية في قُم والتيار الإصلاحي.
من منظور السيكولوجيا السياسية، تُسلط الانتلجنسيا المصرية الضوء على مقالة فلسفية نُشرت في الداخل الإيراني بعنوان “الخوف المشترك”، مستلهمة من أفكار الفيلسوف باروخ سبينوزا. تُشير المقالة إلى أن المجتمع الإيراني يعيش حالة من “السيولة النفسية”، وأن تماسك الجبهة الداخلية حالياً قد لا ينبع من مشروع عقلاني يبعث على “الأمل”، بل من حالة “تعبئة عبر التهديد” والخوف من الانهيار أمام العدوان الخارجي. وتُحذر القراءة المصرية من أن الاعتماد المفرط على “الخوف” كأداة للضبط الاجتماعي قد يحقق تماسكاً مؤقتاً، لكنه يحمل بذور انفجار مجتمعي لاحق إذا لم يُصاحب بإصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية
سادساً: خلاصات نقدية
أولاً: يمثل العدد 136 من الملف المصري عملاً بحثياً جاداً في رصد التفاصيل العسكرية والسياسية، لكنه يعاني من قصور بنيوي في تغييب النقد الذاتي للموقف المصري وتجاهل البعد الشعبي والقيمي.
ثانياً: تكشف المقارنة مع الملفات المساعدة أن ملف الأهرام يعكس رؤية «الدولة العميقة» المصرية التي تسعى للبقاء في المنطقة الرمادية بين المحورين، لا بدافع الحكمة بل بدافع العجز الناتج عن التبعية الاقتصادية والطاقية.
ثالثاً: يتبنى العدد ضمنياً أطروحة «الاحتواء لا الإسقاط» تجاه إيران، وهو موقف أقرب إلى الواقعية منه إلى المبدئية، حيث ينطلق من إدراك أن سقوط إيران سيعني صعوداً إسرائيلياً يهدد مصر نفسها.
رابعاً: الغائب الأكبر في هذا العدد هو السؤال الذي تطرحه الملفات المساعدة بجرأة: متى تتحرر مصر من قيود التبعية لتلعب الدور الذي تفرضه عليها جغرافيتها وتاريخها وشعبها؟ هذا السؤال هو المفتاح الحقيقي لفهم ليس فقط الموقف المصري من إيران، بل مستقبل المنطقة بأسره.
سابعًا: ما لا تقوله “مراكز التفكُّر” المصرية
من خلال قراءة معمّقة للتقديرات الصادرة عن مراكز التفكير الاستراتيجية المصرية، يمكن تشريح كيفية إدراك العقل الاستراتيجي المصري للـ “تهديد” الإيراني، وموقفه من جبهات المقاومة، ويمكن استشراف خيارات القاهرة في ظل حرب إقليمية تهدد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل، في ظل قيود هيكلية تكبل صانع القرار المصري، والفرص الاستراتيجية الضائعة في إدارة الأزمات الإقليمية وعلى رأسها أزمة قطاع غزة.
التطور التاريخي والجيوسياسي للتموضع المصري
لفهم الرؤية المصرية الحالية تجاه إيران ومحور المقاومة، يجب تتبع التحولات العميقة في هوية الدولة المصرية وتموضعها الجيوسياسي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة.
1. من الثورية إلى “الوكالة” الاستراتيجية
ترصد الأدبيات الاستراتيجية تحولاً جذرياً في هوية الدولة المصرية؛ فبعد أن كانت حركة “الضباط الأحرار” في عام 1952 تمثل قوة ثورية ضمن المعسكر الشرقي، تدعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي وتتبنى خطاب “القومية العربية”، انتقلت الدولة تدريجياً لتدور في الفلك الأمريكي. في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بلغ التقارب السوفيتي-المصري ذروته، لا سيما خلال حرب الاستنزاف (1969-1970) حيث مدت موسكو القاهرة بالسلاح والخبراء. إلا أن الإدراك المصري بأن الدعم السوفيتي يظل دون المستوى المطلوب لتحقيق توازن ردع حقيقي مع إسرائيل، مهّد الطريق لانعطافة استراتيجية كبرى.
بدأ التحول الجذري في عام 1972 عندما قرر الرئيس أنور السادات طرد الخبراء السوفييت وتأميم المنشآت السوفيتية-المصرية. وعقب حرب تشرين الأول 1973، أعلن السادات صراحة توجهه الاستراتيجي الجديد بمقولته الشهيرة: “99% من أوراق اللعبة بيد أميركا”. هذا التحول دشن مرحلة جديدة أصبحت فيها مصر تعتمد على المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، التي بلغت ذروتها في التسعينيات، كأداة لصياغة علاقة تبعية هيكلية.
تشير البرقيات الدبلوماسية المسربة إلى أن النظام المصري بات يسعى ليكون “الحليف العربي المفضل” (Go-to Arab ally) للقوى الغربية، حيث يلعب دور “الوكيل” الذي يمرر السياسات الغربية في المنطقة مع محاولة الحفاظ على صورته أمام الجمهور العربي كمدافع عن مصالحهم ضد الهيمنة الأجنبية. تجلى هذا “الدور الوظيفي” في توظيف العنصر البشري المصري في حرب أفغانستان ضد السوفييت برعاية مصرية-سعودية-أمريكية، والمشاركة بقوات برية في التحالف الأمريكي لصد الغزو العراقي للكويت عام 1991 لتوفير غطاء شرعي إسلامي وعربي للوجود العسكري الأمريكي في الخليج.
2. الجذور التاريخية للقطيعة مع إيران
شكلت العلاقة بين مصر وإيران، وريثتي أعرق الحضارات في المنطقة، محوراً أساسياً في التوازنات الإقليمية. قبل عام 1979، كانت القاهرة وطهران (تحت حكم الشاه) ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأمريكية ضمن ما عُرف بـ “عقيدة التخوم” الهادفة لتطويق المد السوفيتي والقومي العربي.
ومع ذلك، أحدث عام 1979 شرخاً زلزالياً في العلاقات؛ حيث تزامن انتصار الثورة الإسلامية في إيران مع توقيع مصر معاهدة “كامب ديفيد” مع إسرائيل. وهنا اعتبرت قيادة الثورة في طهران المعاهدة خيانة للقضية الفلسطينية، بينما نظرت إليها القاهرة كـ”خيار استراتيجي حتمي” لاستعادة أراضيها وتأمين مصالحها، ثم تعمق هذا الشرخ بدعم مصر الكبير للعراق خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). واستمرت القطيعة طوال عهد الرئيس حسني مبارك الذي تبنى سياسة “السلام البارد” مع إسرائيل والتحالف الكامل مع واشنطن، وهو ما تناقض جوهرياً مع مبادئ الثورة الإسلامية.
العوائق الهيكلية والأيديولوجية أمام التقارب المصري-الإيراني
في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، دخلت العلاقات مرحلة من “الإدارة الحذرة للخصومة”. فرغم المؤشرات التكتيكية على التقارب، مثل المحادثات الأمنية في بغداد ومسقط أو الاتفاق المبدئي في شباط 2026 لاستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، إلا أن الانتلجنسيا المصرية ظلّت تُدرك أن الحواجز الهيكلية التي تفصل بين البلدين عصية على التجاوز.
1. المرساة الأمريكية والميثاق الإسرائيلي
يُعد التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة حجر الأساس في السياسة الخارجية المصرية، ويتجاوز هذا التحالف المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار، ليشمل تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً عميقاً، تؤدي مصر فيه أدواراً وظيفية حيوية تخدم المصالح الأمريكية، وفي مقدمتها ضمان أمن إسرائيل، وحفظ أمن الملاحة في قناة السويس، واحتواء الفصائل الفلسطينية.
وفي عهد “الجمهورية الثانية”، تطور التعاون مع إسرائيل ليصل إلى مستوى “السلام الدافئ”، والذي شمل تنسيقاً عسكرياً غير مسبوق وغارات جوية إسرائيلية في سيناء بموافقة مصرية، فضلاً عن إحكام الحصار على قطاع غزة! وبما أن واشنطن وتل أبيب تعتبران إيران التهديد الوجودي الأكبر في الإقليم، فإن أي تقارب استراتيجي مصري مع طهران يُعد شبه مستحيل.
2. شريان الحياة الخليجي والارتهان المالي
يُشكل الوضع الاقتصادي المصري الهش قيداً ثقيلًا على السياسة الخارجية؛ حيث يعتمد الاقتصاد المصري بشكل جذري على الدعم المالي والاستثمارات من دول الخليج، وتحديداً المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وبعد أن كانت قدمت هذه الدول دعماً سخياً للنظام المصري منذ عام 2013، فهي في المقابل تتوقع أن تظل القاهرة ضمن المحور المناهض لطهران، التي تُعتبر المنافس الجيوسياسي الأول للخليج.
بالتالي فإن أي محاولة مصرية للتقارب الجاد مع إيران ستواجه حتماً بفتور خليجي قد يؤدي إلى انهيار مالي سريع في مصر، التي ترزح تحت عبء ديون خارجية تفوق 164 مليار دولار وتضخم متصاعد، عليه، تُدرك النخبة المصرية أن التبادل التجاري أو السياحي المحتمل مع إيران يظل “هزيلاً” ولا يمكن أن يعوض المليارات الخليجية والامتيازات الغربية.
3. الحرب الأيديولوجية: “الإسلام الرسمي” مقابل “ولاية الفقيه”
يتجاوز الخلاف المصري-الإيراني الحسابات الجيوسياسية ليصل إلى صدام أيديولوجي عميق حول دور الدين في الدولة، ففيما تقوم شرعية نظام الجمهورية الإسلامية على نظرية “ولاية الفقيه” التي تضع الدين كقاطرة للسياسة وتتبنى خطاباً ثورياً لتمكين الشعوب. في المقابل، تتبنى الدولة المصرية استراتيجية تقوم على احتواء واستئصال “الإسلام السياسي” بكافة أشكاله وتجلياته (السنية والشيعية).
وهنا، تخوض مصر “معركة وعي” لترويج نموذج “الإسلام الرسمي” أو “غير المسيّس”، والذي تمثله مؤسسة الأزهر والتيارات الصوفية، ويركز هذا النموذج على الروحانيات وطاعة الدولة وفصل الدين عن الفعل السياسي والمقاومة، ما يمثّل نقيض تام للمشروع الإسلامي الذي تتبناه إيران، وحيث يرى النظام المصري نفسه حصناً للقومية والعلمانية في مواجهة “المشروع التوسعي” الإيراني، يجعل هذا التموضع الخلاف خلافاً وجودياً حول شكل الإسلام المقبول في المنطقة.
4. ساحات الصراع بالوكالة
تتجلى الخصومة في اصطفاف البلدين في معسكرات متضادة عبر ساحات إقليمية متعددة. في سوريا، دعمت مصر الحفاظ على هيكل الدولة والمعارضة “المدنية”، بينما تدخلت إيران عسكرياً لحماية الدولة من السقوط. وفي اليمن، شاركت مصر، وإن بشكل رمزي، في التحالف المناهض لجماعة “أنصار الله”.
إلا أن القضية الفلسطينية تظل ساحة التناقض الأوح؛ فبينما تدعم إيران وتسلح فصائل “محور المقاومة” وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، تلعب مصر دور “الوسيط الممتثل” الذي تناط به مهمة احتواء هذه الفصائل وتجريدها من أوراق قوتها لضمان التهدئة وحماية الترتيبات الأمنية الإسرائيلية.
تشريح الداخل المصري والقيود الهيكلية لـ “الجمهورية الثانية”
لا ينبع الموقف المصري المتردد تجاه دعم المقاومة أو الانخراط بفاعلية في إدارة الأزمات الإقليمية من نقص في الرؤية فحسب، بل هو نتاج مباشر لقصور هيكلي وتشوهات بنيوية أصابت جسد الدولة المصرية، وتحديداً في مرحلة ما يُعرف بـ “الجمهورية الثانية” (منذ عام 2013).
1. الانهيار الاقتصادي والارتهان للديون
تبنت الدولة المصرية نموذجاً تنموياً معيباً يرتكز بشكل شبه حصري على الاقتراض الخارجي المكثف لتمويل مشاريع بنية تحتية قومية عملاقة (مثل العاصمة الإدارية، شبكات الطرق، والقطارات فائقة السرعة)، مع تهميش للقطاعات الإنتاجية القادرة على توليد النقد الأجنبي. أدى هذا المسار إلى تضخم كارثي في الدين الخارجي، والذي قفز من 46 مليار دولار في عام 2014 إلى أكثر من 164 مليار دولار مطلع عام 2024.
خلق هذا الوضع حالة من الاختناق المالي جعلت الدولة تعتمد كلياً على حزم إنقاذ مالية (قروض ومنح ذات دوافع سياسية تجاوزت 200 مليار دولار) من صندوق النقد الدولي والدول الغربية والخليجية. هذا الارتهان المالي الشديد كبّل استقلالية القرار السيادي المصري، وجعل أي تحرك استراتيجي مرهوناً بموافقة الدائنين لتجنب الإفلاس.
ترافق ذلك مع نشوء “اقتصاد هجين”؛ حيث تغولت الأجهزة السيادية والمؤسسة العسكرية على مقاليد الثروة وأنشأت موازنات موازية عبر “هيئات شبه حكومية” وصناديق خاصة (كصندوق تحيا مصر والصندوق السيادي)، خارج رقابة الموازنة العامة. هذا التحول خلق “طبقة رأسمالية جديدة” من النخبة الحاكمة، باتت أولويتها القصوى حماية استثماراتها وامتيازاتها الاقتصادية، حتى وإن تعارض ذلك مع متطلبات الأمن القومي المصري والعربي.
2. التبعية الطاقية والتطويق الاستراتيجي
تعاني مصر من هشاشة استراتيجية حادة تتمثل في “الاعتمادية غير المتكافئة” في قطاع الطاقة؛ فرغم الاكتشافات الغازية، باتت شبكة الكهرباء والمصانع المصرية تعتمد على واردات الغاز الإسرائيلي. وهذه التبعية شكلت القيد الأثقل على الإرادة السياسية المصرية؛ ففي ظل حرب الإبادة في غزة أو العدوان على إيران، وقفت القاهرة عاجزة عن التلويح بالحد الأدنى من أوراق الضغط السيادية (كتجميد معاهدة كامب ديفيد أو وقف التنسيق الأمني)، خوفاً من قيام تل أبيب بقطع إمدادات الغاز، مما يهدد بانهيار خدمي وانقطاع للتيار الكهربائي يشل البلاد ويثير غضباً شعبياً.
يُضاف إلى ذلك فشل الدبلوماسية المصرية في إدارة أزمة سد النهضة الإثيوبي. حيث يُعتبر التوقيع على “إعلان المبادئ” عام 2015 خطأً استراتيجياً منح إثيوبيا شرعية دولية لبناء السد دون انتزاع أي ضمانات قانونية ملزمة تحفظ حقوق مصر المائية. فأسفر هذا الإخفاق عن وقوع مصر تحت تطويق استراتيجي شامل ضمن مسار “عسكرة المياه”، وأهدر صورتها كقوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها الوجودية، مما شجع أطرافاً إفريقية أخرى على تحديها.
3. سيكولوجيا القهر وتغييب المجال العام
اعتمد النظام المصري في ترسيخ سلطته على القبضة الأمنية وتأميم المجال العام (السياسي والإعلامي والخيري)، مقصياً بذلك أي قوى اجتماعية فاعلة يمكن أن تفرز نخباً معارضة أو بديلة. فأدى هذا النهج إلى فقدان الدولة لـ “العمق الشعبي” الذي طالما شكل ظهيراً دافعاً للقرار السياسي في أوقات الأزمات. كما تسبب في تراجع “القوة الناعمة” لمصر وتآكل تأثيرها الثقافي والإعلامي في محيطها العربي والإفريقي، حيث لم يعد نموذج الحكم القائم على الأمن ملهماً. أما القوى الاجتماعية الفاعلة فقد تم تحييدها أو ترويضها:
- جماعة الإخوان المسلمين: ورغم كونها الحركة الأكبر، إلا أنها تعاني من انقسامات حادة (جبهات لندن، إسطنبول، وتيار التغيير)، وتتسم سياستها تاريخياً بالرمادية والبراغماتية التي أضاعت فرصاً للتقارب الاستراتيجي مع إيران إبان حكم الرئيس محمد مرسي، خوفاً من إغضاب السعودية والولايات المتحدة.
- التيار القومي واليساري: يعاني من تهميش شعبي وحالة من التشرذم والنزعة الفردية، ورغم علاقاته الفكرية القديمة مع محور المقاومة، إلا أنه لا يمتلك أي تأثير حقيقي في الشارع أو السياسة.
- السلفية “العلمية” والصوفية والكنيسة: تم تدجين هذه القوى لتعمل كأذرع اجتماعية تدعم السردية الرسمية للنظام وتضمن الاستقرار بعيداً عن مفاهيم المقاومة أو التحرر السياسي.
التداعيات الاقتصادية للحرب
لم تقتصر تداعيات حرب 2026 على البعدين الأمني والسياسي، بل عصفت بالاقتصاد المصري المأزوم؛ فقد أدى استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب من قبل جبهة المقاومة إلى اضطراب هائل في سوق الطاقة العالمي وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. بالنسبة لمصر، شكل هذا الارتفاع ضربة قاصمة؛ حيث ارتفعت فاتورة استيراد المواد البترولية لتتجاوز 20 مليار دولار في 2025، مما زاد من عجز الموازنة واضطر الحكومة لرفع أسعار الوقود محلياً بنسب وصلت إلى 17%.
ترافق ذلك مع استمرار انهيار إيرادات قناة السويس، وتزايدت خسائرها مع استمرار التهديدات اليمنية في البحر الأحمر، كما أدى ارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى خروج مكثف لرؤوس الأموال الأجنبية (الأموال الساخنة) من أدوات الدين المصرية، مما فرض ضغوطاً عنيفة على سعر صرف الجنيه المصري ورفع معدلات التضخم وتكلفة المعيشة بشكل كارثي، واضعاً البلاد على شفا أزمة أمن غذائي حقيقية.
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية للتموضع المصري
في ظل هذا المشهد المأزوم، واستمرار تداعيات حرب 2026، تتأرجح مسارات الدولة المصرية بين ثلاثة سيناريوهات استراتيجية متوقعة :
1. سيناريو الانصياع وتمرير “صفقة القرن” (الأكثر ترجيحاً)
تحت وطأة الاختناق المالي غير المسبوق، وخطر الإفلاس المحدق نتيجة شلل الملاحة والتبعية الطاقية، قد يضطر النظام المصري للرضوخ الكامل للضغوط والابتزاز الأمريكي-الإسرائيلي. في هذا السيناريو القاتم، سيتم استخدام الانهيار الاقتصادي كأداة قسرية لفرض تسويات جيوسياسية كبرى؛ منها المساهمة العسكرية في تشكل مظلة دفاع جوي للقواعد الأميركية في الخليج، أو الانخراط في شبكة الدفاع الجوي عن الكيان الصهيوني ضد الاستهدافات من قوى جبهة المقاومة، أو القبول بتوطين أجزاء من سكان قطاع غزة في مصر مع تجنيسهم، وتقديم تنازلات أمنية سيادية واسعة. مقابل ذلك، ستضمن الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهم استمرار تدفق حزم الإنقاذ المالي وإسقاط جزء من الديون لضمان بقاء السلطة العسكرية الحاكمة وحماية امتيازاتها. يعني هذا السيناريو تصفية الدور التاريخي لمصر بالكامل، وتحويلها لـ “كيان وظيفي تابع” مندمج في مشاريع الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية (كمشروع ممر IMEC).
2. سيناريو “التقاسم البراغماتي” والمناورة على الحافة (الأكثر ترجيحًا)
إذا تحولت المواجهة مع إيران إلى حرب استنزاف طويلة الأمد دون حسم سريع، فقد تلجأ القاهرة للاستمرار في دور “البهلوان” المتموج بين الأزمات.و يعتمد هذا المسار على هندسة تحالفات تكتيكية مع قوى إقليمية كتركيا (بدأت إرهاصاتها في توقيع اتفاقيات عسكرية وتبادل تكنولوجيا طائرات مسيرة في شباط 2026) والسعودية، لتشكيل “محور استقرار” سني يضمن توزيع النفوذ وتجنب التهديدات المباشرة ومواجهة تمدد إسرائيل أو جبهة المقاومة على حد سواء. وفي هذا السيناريو ستواصل مصر ابتزاز الدول الأوروبية بملفات الهجرة غير الشرعية والإرهاب لضمان استمرار الدعم المالي. ويمثل هذا السيناريو بقاءً وظيفياً هشاً يفتقر لأي أفق حقيقي للنهوض أو الاستقلال الاستراتيجي.
3. سيناريو الانفجار الداخلي وتفكك السلطوية (الأقل احتمالاً)
رغم السطوة الأمنية الغليظة، فإن بنية النظام السياسي والاقتصادي تقف على أرضية بالغة الهشاشة، عليه، إذا أدت تداعيات الحرب إلى انقطاع تام لإمدادات الغاز الإسرائيلي والوقود، وانهارت شبكة الكهرباء القومية وشلت قطاعات الصناعة والمياه، مصحوبًا ذلك بموجات تضخم جنونية تعجز معها الدولة عن توفير السلع الأساسية، فإن “حاجز المرونة الاجتماعية” للشعب المصري قد ينكسر فجأة. وفي هذه اللحظة الحرجة، قد تفقد مؤسسات الدولة سيطرتها، وتنهار السلطوية العسكرية تحت وطأة انفجار اجتماعي مدمر (ثورة جياع). ورغم قتامة هذا المشهد وتكلفته الفادحة، فإنه قد يشكل تفكيكاً إجبارياً للقيود الهيكلية الحالية، ويفتح الباب مستقبلاً لإعادة بناء جمهورية جديدة تستعيد سيادتها وقرارها المستقل الداعم حقيقة للمقاومة والتحرر العربي.
خاتمة
تُظهر القراءة النقدية لأدبيات مراكز التفكير الاستراتيجية المصرية أن رؤية الدولة لـ “التهديد الإيراني” ولجبهة المقاومة لا تنبع من تقييم موضوعي لمصالح الأمن القومي العربي، بل هي ارتداد مباشر لقيود هيكلية عميقة تكبل بنية “الجمهورية الثانية”، وأن ارتهان القرار المصري لنموذج اقتصادي قائم على الديون، وتبعية طاقية مهينة، واستناد بقاء النظام على رضاء الرعاة الغربيين والخليجيين، جعل من القاهرة “وكيلاً وظيفياً” يسعى جاهداً لاحتواء قوى التحرر والمقاومة لضمان استمرار تدفقات الدعم التي تُبقي النخبة الحاكمة في السلطة.
وفي مواجهة أزمة حرب رمضان 2026 وأزمات الإقليم، أثبتت مصر أنها فقدت أدوات قوتها الشاملة. ولن تتمكن الدولة المصرية من استعادة مكانتها كقطب جيوسياسي فاعل في الشرق الأوسط إلا إذا نجحت في فك ارتباطها بهذه القيود الهيكلية، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، وإعادة صياغة عقد اجتماعي يسمح بمشاركة سياسية حقيقية تمنح الدولة عمقها الشعبي المطلوب لصد الاختراقات الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية. غير ذلك، ستبقى مصر تدور في فلك التبعية، تناور على حافة الهاوية لتأمين بقاء وظيفي باهظ الثمن على حساب سيادتها وتاريخها.
[1] راجع: شادي علي: انحياز العقل الجمعي المصري ضد الاستكبار، مركز الاتحاد (يوفييد) (2026).
شادي علي – مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
