18 نيسان 2026
نحو اتفاق إطار لإنهاء الحرب | أميركا – إيران: الهوّة تضيق

يبدو أن ازدياد زخم الوساطة التي تقودها باكستان، ينبئ باحتمال تمديد الهدنة المعلَنة بين إيران والولايات المتحدة، والبدء بتذليل العديد من النقاط الخلافية، ومن ثمّ صوغ اتفاق إطار لإنهاء الحرب، والدخول في مفاوضات قد تطول نظراً لحساسيتها التقنية، خاصة على الصعيد النووي. وبالتزامن مع تواتر تلك المؤشرات، أعلنت إيران، أمس، فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية، وذلك عبر خطّ الملاحة الذي قرّرته، والذي يمكن للسفن عبوره شرط التنسيق مع القوات البحرية لـ»الحرس الثوري الإيراني». ويعني هذا القرار فرض سيطرة إيرانية على المضيق في الوقت الراهن - في انتظار ترتيبات أمنية تريدها إيران، بالتنسيق مع الدول المشاطئة -.
وإذ تتّجه الأنظار إلى الجولة الثانية من المفاوضات، تتكثّف الجهود لإيجاد أرضية مناسبة لاتفاق إطار مبدئي يعالج القضايا النووية والإقليمية. ورغم ارتفاع سقوف الشروط المتبادلة في الجولة الأولى، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى وجود مساحات يمكن البناء عليها لصياغة تسوية مرحلية أو شاملة، خاصة في ظلّ إدراك الطرفين كلفة استمرار التصعيد.

في صلب هذه المفاوضات، يبرز الملف النووي باعتباره الأكثر حساسية؛ إذ يتمحور حول أربعة بنود رئيسة تطالب بها واشنطن، وهي إنهاء تخصيب اليورانيوم، وتفكيك المنشآت النووية، وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، وإصدار قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي بمنع امتلاك إيران لسلاح نووي. وتدفع واشنطن في اتجاه تحديد إطار زمني واضح لتعليق التخصيب، يمتدّ إلى عشرين عاماً، في محاولة لضمان عدم اقتراب طهران من العتبة النووية. وفي المقابل، ترفض إيران هذا الطرح بصيغته الحالية، لكنها تترك الباب مفتوحاً أمام مقاربة أكثر مرونة قد تقوم على تعليق مؤقت مشروط باعتراف أميركي ودولي واضح بـ»حقها في التخصيب على أراضيها»، وتقليص مدّة الالتزام المشار إليه إلى بضع سنوات.

ولا يأتي توقّع هذا القبول الإيراني من فراغ، بل يستند إلى واقع تقني وعملي؛ إذ تحتاج المنشآت النووية المتضرّرة إلى عمليات إعادة تأهيل وترميم، ما يفرض عملياً وقفاً مرحلياً للتخصيب. ولذا، يمكن تحويل التوقّف القسري إلى فرصة تفاوضية تتيح للطرفين إعلان تقدّم مشترك، من دون تقديم تنازلات جوهرية في المواقف المبدئية في ما يخصّ تخصيب اليورانيوم. أمّا في ما يتعلق بتفكيك المنشآت النووية، فتبدو الهوة بين الطرفَين أوسع؛ إذ تطالب واشنطن بنقل هذه المنشآت إلى «سطح الأرض» لتسهيل مراقبتها، في حين ترفض طهران ذلك بشكل قاطع، مستندة إلى اعتبارات أمنية وتجارب سابقة، أثبتت في خلالها المنشآت المحصّنة تحت الأرض فاعليتها في مواجهة الضربات العسكرية.

ومع ذلك، تبدي إيران مرونة في ملف الرقابة، مُظهرةً استعدادها لتعزيز دور «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وقبول عمليات تفتيش دورية، شرط حصرها بالوكالة من دون أي تدخّل أميركي مباشر. فإيران، رغم فرضية استعدادها لتقديم تسهيلات رقابية، لن تتراجع أبداً عن إعادة بناء منشآتها النووية تحت الأرض وتحصينها، ولن تتخلّى عن مشروعها النووي السلمي الذي تعتبره جزءاً من سيادتها الوطنية، ولو كان بشكل أصغر مما هو موجود حالياً.

وفي ما يتّصل بملف اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، يتّضح البعد الاستراتيجي للخطوة الإيرانية التي جاءت كردّ على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018. فقد شكّل ذلك المستوى من التخصيب ورقة ضغط تفاوضية فعّالة، وهو لم يكن سراً؛ إذ أعلمت إيران، قبل سنوات، «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، بخطوتها، وصرّحت علانية بكميات مخزونها العالي التخصيب. وأجبرت هذه الورقة اليوم، الولايات المتحدة، على التعامل بجدية أكبر مع المطالب الإيرانية. وتشير التقديرات إلى أن حجم هذا المخزون يبلغ نحو 420 كيلوغراماً، مع غموض يحيط بما تبقّى منه سليماً نتيجة التطورات الأمنية والاستهدافات التي طاولت بعض المنشآت، وهو ما يجعل الكشف عن الكميات الحقيقية مؤجّلاً إلى ما بعد التوصل إلى اتفاق، باعتباره ورقة تفاوضية مخفية تحتفظ بها طهران.

هنا، يبرز مطلب واشنطن بتسليم هذا المخزون لها حصراً، أو على الأقلّ منعه من الوصول إلى دول من مثل روسيا أو الصين، فيما ترفض طهران ذلك الشرط، وتدفع نحو حلول وسطية تتمثّل في نقل المخزون إلى دولة ثالثة - تحت إشراف دولي -، قد تكون باكستان. وربما يصبح هذا الطرح قابلاً للتنفيذ في حال التوصل إلى اتفاق شامل، خاصة إذا اقترن بتوفير بدائل لإيران من اليورانيوم المنخفض التخصيب لتشغيل مفاعلاتها المدنية - مثل مفاعل «أمير آباد للأبحاث» والمفاعل الكهروذري في بوشهر -، ضمن آلية دولية تشرف عليها «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وفي المقابل، تطرح الولايات المتحدة حزمة حوافز تشمل رفع العقوبات بشكل كامل، مقابل التزام إيران بهذه البنود، مع الإصرار على إصدار قرار من مجلس الأمن يمنع طهران من تطوير سلاح نووي بشكل دائم. وهذه النقطة قد لا تشكّل عقبة كبيرة؛ إذ تؤكد إيران دائماً أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، ما يجعل هذا الالتزام متوافقاً مع خطابها الرسمي، ويمنحها في الوقت نفسه مكسباً كبيراً يتمثّل في إنهاء العقوبات الدولية والأحادية.
وبعيداً عن الملفّ النووي، يبرز مضيق هرمز وإدارته المستقبلية والترتيبات الأمنية فيه، كأحد الملفات الهامة في المفاوضات. وفي حين اقترحت واشنطن إنشاء إدارة مشتركة للمضيق، وتأسيس صندوق ائتماني لتقاسم العائدات، رفضت طهران ذلك بشدة، معتبرة أن إدارة المضيق يجب أن تكون في أيدي الدول المشاطئة له، وبإشراف إقليمي يضمن أمنه واستقراره، وهي لن تقبل بأيّ دور أميركي مباشر في هذا الملف.

كذلك، تطرح إيران مسألة التعويضات كجزء من ملف «هرمز»؛ إذ يجري الحديث عن فرض رسوم على المرور في المضيق كوسيلة لاستيفاء «تعويضات» الحرب في حال عدم التوصّل إلى اتفاق مع واشنطن. ورغم ما تقدّم، لا يستبعد المتابعون إمكانية التفاوض على هذا البند في حال تقديم تعويضات مباشرة. وفي السياق نفسه، تبرز مسألة الضمانات الدولية كعنصر حاسم في نجاح أيّ اتفاق؛ فإيران تطالب بضمانات تحول دون تكرار الحرب عليها أو في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بحقها في الرد على أيّ خرق، وهو ما يعكس عدم ثقتها الكاملة بالالتزامات الدولية، خاصة في ظلّ التجارب السابقة.

ومن هنا، يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات المتوقّعة في غضون أيام، بما تحمله من تفاصيل دقيقة، قد تفتح نافذة للتوصل إلى تسوية متوازنة تقوم على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، تضمن الحدّ الأدنى من مصالح الطرفين، وتؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في المنطقة، ستكون فيها إسرائيل أول الخاسرين.

حسن حيدر - الأخبار