إيران بين الضغوط والحصار: لماذا لم تتراجع بعد؟

تعتقد إدارة دونالد ترامب أن الحصار الأمريكي شبه المنفذ- والممتد منذ أسبوعين- على الشحن البحري الإيراني سيُخضع طهران قريباً، من خلال إجبارها على إغلاق آبار النفط نتيجة نفاد القدرة التخزينية للخام الذي لم تعد قادرة على تصديره، وترى الإدارة أن هذا التوقف الوشيك في الإنتاج يهدد بإلحاق أضرار دائمة وشديدة بقطاع رئيسي من الاقتصاد الإيراني، وهو ما يفسر- من وجهة نظرها- ميل واشنطن إلى الانتظار ترقباً لاستسلام إيراني لم يتحقق بعد رغم مرور ثمانية أسابيع على الحرب.

وتُدرك إيران طبيعة هذا التحدي وتسعى بشكل محموم لإيجاد مواقع بديلة لتخزين نفطها في ظل تراجع صادراتها النفطية إلى الربع منذ بدء الحصار الأمريكي، غير أن طهران مرت بتجارب مماثلة عدة مرات سابقاً حيث أدت ضغوط العقوبات الأمريكية القاسية خلال إدارتي باراك أوباما ودونالد ترامب إلى إغلاقات في الإنتاج- إلا أن أياً منها لم يُفضِ إلى أضرار دائمة في الحقول النفطية الإيرانية، ومع ذلك لا تزال إيران تواصل تحميل النفط وتصديره رغم القيود التي يفرضها الحصار الأمريكي.

في المقابل دخل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج شهرهم الثاني من إغلاقات الإنتاج وهي- بصورة جماعية- أكبر بكثير من أي خفض محتمل قد تواجهه إيران، ويُضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار النفط واستمرار التدفق المحدود لناقلات “مارقة” تواصل إيصال النفط الإيراني إلى الأسواق ما يشكّل عاملاً مهماً في تفسير عدم تراجع طهران حتى الآن، فقد تجاوز سعر النفط في الولايات المتحدة 100 دولار للبرميل يوم الثلاثاء فيما تخطى السعر العالمي القياسي 111 دولاراً للبرميل.

إن إجبار إيران على تقليص إنتاجها النفطي- بما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة ودائمة- يمثل جوهر المنطق الذي تقوم عليه سياسة الحصار التي أقرتها الإدارة الأمريكية في 13 نيسان. وقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع بأن الإغلاق الوشيك لإنتاج النفط في إيران سيؤدي إلى “انفجار خطوطها النفطية”، مضيفاً أنه “عندما تنفجر… لن يكون بالإمكان إعادة بنائها كما كانت”، من جانبه يتوقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن يؤدي توقف الإنتاج إلى حدوث نقص في إمدادات البنزين داخل إيران، وما يستتبعه من تصاعد الضغوط الداخلية على النظام. كما ترى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات- وهي من أبرز الجهات الداعية إلى تبني سياسة متشددة تجاه إيران- أن الإغلاقات المطولة لحقول النفط الإيرانية من شأنها شلّ جزء كبير من طاقتها الإنتاجية، وزيادة الضغوط المالية على النظام، الذي يعاني أصلاً من تراجع شعبيته.

بعد مرور أسبوعين على فرض الحصار الأمريكي بدأت القدرة التخزينية للنفط في إيران تتعرض لضغوط متزايدة، وفي هذا السياق أعادت طهران تشغيل ناقلة نفط قديمة لاستخدامها كمخزن عائم مؤقت كما تسعى إلى تأمين سعات تخزين برية إضافية لدعم منشآتها الرئيسية في جزيرة خرج، كذلك استفادت من عدد محدود من الناقلات الفارغة التي تمكنت من تجاوز القيود الأمريكية لتوظيفها في تخزين جزء من إنتاجها، ومع ذلك فإن هذا التحدي ليس مستجداً إذ تمتلك إيران خبرة تراكمية طويلة في التعامل مع قيود مماثلة.

وفي هذا الإطار أوضح غريغوري برو كبير المحللين لشؤون إيران والطاقة في مجموعة أوراسيا أن “إيران ليست على وشك إغلاق إنتاجها في الوقت الراهن إذ لا تزال حركة الناقلات مستمرة من وإلى جزيرة خرج كما أن لديها سعات تخزين برية متبقية”، وأضاف أن لجوء طهران إلى استخدام ناقلات قديمة يعكس استعدادها لتفاقم تأثير الحصار دون أن يعني ذلك بلوغه مستوى التأثير الحاسم حتى الآن، حيث لا تزال تدفقات النفط مستمرة.

غير أن المؤشرات الميدانية تفيد بتكدّس ناقلات النفط الإيرانية في محيط مضيق هرمز دون التقدم إلى مسارات أبعد، وفي حال استمرار الحصار الأمريكي وتصاعد حدّته فمن المرجح أن تبلغ إيران سقف قدرتها الإنتاجية الممكنة ما سيدفعها إلى الشروع في إغلاق بعض الحقول النفطية، ومع ذلك فإن هذه الإغلاقات قد لا تُفضي إلى الأضرار الهيكلية العميقة التي تراهن عليها الإدارة الأمريكية.

فالتجارب السابقة ولا سيما خلال عامي 2012- 2013 و2019- 2020، تُظهر أن إيران واجهت ضغوط عقوبات قاسية أدت إلى تقليص صادراتها النفطية وخفض إنتاجها بشكل مُدار، دون أن يترتب على ذلك أضرار طويلة الأمد في بنيتها الإنتاجية. وفي هذا السياق تتمتع شركة النفط الوطنية الإيرانية بخبرة مؤسسية متراكمة في إدارة عمليات الإغلاق المؤقت، حيث إن الحقول المستهدفة هي ذاتها التي أُغلقت سابقاً كما أن الكوادر الفنية والإدارية المعنية لا تزال تحتفظ بخبراتها، ومع ذلك لا يمكن استبعاد مخاطر الأضرار طويلة الأمد خاصة في حال فرض إغلاقات سريعة وقسرية على الحقول القديمة، بما قد يؤثر في سلامة المكامن النفطية ويحدّ من طاقتها الإنتاجية المستقبلية.

ويُضاف إلى ذلك أن الظروف الراهنة تختلف عن التجارب السابقة إذ لم تكن تلك الفترات مشمولة بحصار أمريكي شامل بهذا المستوى، كما كانت خيارات التخزين- سواء العائم أو البري- أكثر اتساعاً، وتكمن إحدى أبرز المخاطر التقنية في احتمال تسرب المياه إلى المكامن النفطية في الحقول المتقادمة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الاستخلاص مستقبلاً.

وفي هذا الإطار يشير ألكسندر أرامان مدير أنشطة المنبع في “الشرق الأوسط” لدى شركة وود ماكنزي، إلى أنه “مع اقتراب سعات التخزين من الامتلاء ستتجه إيران إلى خفض معدلات الإنتاج تدريجياً لكسب الوقت وتقليل الأضرار بالمكامن، غير أن استمرار الحصار سيجعل تقليص الإنتاج أمراً حتمياً”.

كما يؤكد أن الحقول النفطية القديمة في إيران “تُعد أكثر عرضة لاختراق المياه ما يفاقم احتمالات الأضرار طويلة الأمد في حال تجاوزت فترة الإغلاق شهراً واحداً، وقد تعتمد إيران استراتيجيات الإغلاق التناوبي للآبار للحفاظ على سلامة المكامن، إلا أن استعادة الطاقة الإنتاجية الكاملة تبقى غير مضمونة في ظل تقادم القاعدة الإنتاجية”. من جهة أخرى قد لا تُحقق هذه المعادلة الأهداف المرجوة لإدارة دونالد ترامب، إذ يواجه حلفاء الولايات المتحدة في الخليج تحديات أكبر من حيث حجم الإغلاقات الإنتاجية ومخاطرها، فقد قامت كل من السعودية والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر بإغلاق ما يزيد على 11 مليون برميل يومياً من الإنتاج، وهو مستوى يفوق بكثير ما قد تواجهه إيران.

وفي تطور لافت أعلنت الإمارات العربية المتحدة نيتها الانسحاب من أوبك، في خطوة من شأنها تعزيز مرونتها في زيادة الإنتاج مستقبلاً، لكنها في المقابل تُضعف قدرة المنظمة على إدارة تقلبات العرض في السوق العالمية. في المحصلة، وعلى الرغم من أن التوازن بين سعات التخزين ومستويات الإنتاج يشكّل عاملاً حاسماً في المدى القصير لمسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ثمة عوامل بنيوية أعمق قد تكون أكثر تأثيراً.

فقد أسهمت الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية” التي استهدفت القيادات الإيرانية في تعزيز موقع الحرس الثوري الإيراني كفاعل مهيمن داخل بنية النظام، ويستند هذا الجهاز إلى مصادر تمويل مستقلة نتجت عن توسعه في شبكات التهريب الإقليمية واقتصاد الظل، ما يجعله أقل حساسية تجاه الضغوط الاقتصادية الداخلية بما في ذلك ارتفاع أسعار الوقود أو احتمالات الاضطراب الاجتماعي.

وعليه فإن استمرار الضغوط الاقتصادية قد لا يؤدي إلى إضعاف موقفه، بل قد يعزز قناعات التيار المتشدد بجدوى الصمود، ويكرّس منطق “المقاومة” بوصفه الخيار الإستراتيجي الأرجح في مواجهة الضغوط الخارجية.
بقلم كيث جونسون
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

موضوعات ذات صلة