إيران تعيد ترتيب قياداتها العسكرية والأمنية وسط تصاعد المواجهة مع واشنطن

أثارت التعيينات التي أجراها المرشد الأعلى الإيراني مجتبى الخامنئي في المناصب العسكرية والأمنية العليا في البلاد تساؤلات بشأن توجهات القيادة الإيرانية في المرحلة المقبلة، وسط استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وتصاعد التوتر الإقليمي. ويرى مراقبون أن اختيار شخصيات بارزة من الحرس الثوري والأجهزة الأمنية يعكس توجهاً نحو تعزيز نفوذ هذه المؤسسات، والاستعداد لمواجهة الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية المحتملة.

وبحسب تقرير نشرته شبكة يورونيوز، نقلت شبكة سي إن إن عن سينا أزودي، الأستاذ المساعد في سياسات الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن، قوله إن تعيين محسن رضائي رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي لا يمكن فصله عن مسيرته الطويلة داخل الحرس الثوري، مشيراً إلى أن رضائي ينتمي إلى تيار يرى أن انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة يتطلب مواصلة القتال وممارسة الضغط وإلحاق الأذى بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

رضائي في مجلس الأمن القومي
حلّ محسن رضائي محل محمد باقر ذو القدر في منصب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، بعدما قاد الحرس الثوري بين عامي 1981 و1997، وهي الفترة التي شهدت الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.

ويرى أزودي أن اختيار رضائي يعكس النفوذ المتزايد للحرس الثوري، ويتماشى مع استراتيجية إيرانية تقوم على إطالة أمد المواجهة، فضلاً عن السعي إلى إلحاق الهزيمة بحلفاء ترامب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

ستة تعيينات في القيادة العسكرية والأمنية
إلى جانب رضائي، شملت التغييرات عدداً من المناصب العسكرية والأمنية العليا.
واختار السيد الخامنئي حسين طائب، الرئيس السابق للاستخبارات والحليف المقرب منه، لقيادة الباسيج، وهي القوة شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري.

كما ثبّت أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري، بعدما كان يتولى المهمة بصورة غير رسمية منذ اغتيال سلفه محمد باكبور في بداية الحرب.

وعُيّن علي عبداللهي رئيساً لهيئة الأركان المشرفة على الحرس الثوري والجيش الإيراني، بعد توليه قيادة مقر خاتم الأنبياء، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة. كما عُيّن كيومرث حيدري نائباً لعبداللهي، ومصطفى إيزدي نائباً لوحيدي، فيما اختير علي عظمائي قائداً لبحرية الحرس الثوري خلفاً لعلي رضا تنغسيري الذي اغتيل خلال الحرب.

تعزيز القبضة الأمنية على الداخل
ولا ترتبط هذه التغييرات بالمواجهة الخارجية وحدها، إذ يرى سعيد غولكار، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة تينيسي، أنها قد تكون أيضاً محاولة لتمكين حلفاء الخامنئي من تولي مواقع مؤثرة تحسباً لاحتمال أن تؤدي الضغوط الاقتصادية المتزايدة إلى اندلاع انتفاضة شعبية جديدة في إيران.

وفي هذا السياق، يرى غولكار أن تعيين حسين طائب وأحمد وحيدي يعكس استمرار نهج تحدي الولايات المتحدة، ولا سيما في ملف مضيق هرمز، ولا يشير إلى توجه نحو الاعتدال أو التطبيع.

ويضيف أن معظم المعينين الستة الآخرين يمتلكون خلفيات استخباراتية، وهو ما يعزز، بحسب تقديره، اتجاه إيران نحو الاعتماد بصورة أكبر على الأدوات الأمنية والاستخباراتية بدلاً من العمليات العسكرية التقليدية. ويخلص إلى أن المشهد يعكس تحول الجمهورية الإسلامية نحو نظام بيروقراطي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية.

إعادة تنظيم القيادة العسكرية
وفي إطار التكليف الجديد، طلب خامنئي من علي عبداللهي العمل على رفع مستوى الجاهزية والاستعداد الدفاعي والأمني، إلى جانب استكمال مسار دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء المركزي.

وتأتي هذه التغييرات بعد سلسلة من الاغتيالات التي طالت عدداً من كبار القادة العسكريين الإيرانيين خلال الحرب مع إسرائيل في حزيران/يونيو 2025، وكذلك العملية الإسرائيلية الأميركية المشتركة في شباط/فبراير 2026.

وشملت الاغتيالات شخصيات جمعت بين الأدوار السياسية والأمنية، من بينها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الذي قُتل في آذار/مارس وكان من الشخصيات التي تحظى بثقة المرشد.

مجلس الأمن القومي في قلب صناعة القرار
ويكتسب منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي أهمية خاصة في منظومة صنع القرار الإيرانية، إذ يضم المجلس نخبة من القيادات السياسية والعسكرية، ويسهم في صياغة السياسات العامة، مع بقاء الكلمة الفصل في نهاية المطاف للمرشد الأعلى.

وبذلك، لا تبدو التعيينات الجديدة مجرد عملية لإعادة ملء المناصب التي شغرت بفعل الاغتيالات، بل تعكس، وفق التحليلات الواردة في التقرير، توجهاً نحو إعادة بناء منظومة القيادة الأمنية والعسكرية على أساس تعزيز حضور الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية، بالتوازي مع استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة ومواجهة الضغوط الداخلية.