“لوموند”: خطاب ترامب تجاه إيران بين التصعيد وإعلان انتصارات بلا حسم

رأت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين البلدين في شباط الماضي، اتسمت بتصعيد الخطاب السياسي والعسكري، مقرونًا بإعلانات متكررة عن تحقيق “انتصارات”، من دون أن ينعكس ذلك في تغيير ملموس في الموقف الإيراني أو في تحقيق أهداف الحرب بصورة واضحة.

وبحسب الصحيفة، اعتمد ترامب خلال الأشهر الماضية خطابًا يقوم على توجيه التهديدات المتكررة لطهران، بالتوازي مع تأكيده أن الضغوط الأميركية حققت نتائجها، في حين واصلت إيران تمسكها بمواقفها، من دون أن تظهر مؤشرات على تقديم تنازلات أو تعديل نهجها السياسي والعسكري.

تصعيد متواصل
وأشارت “لوموند” إلى أن الرئيس الأميركي جدّد، الأربعاء، تهديده بتوجيه ضربات جديدة ضد إيران ردًا على الهجمات التي استهدفت مواقع وقواعد أميركية، بينها قاعدة في الأردن، مؤكدًا من المكتب البيضاوي أن الوقت حان لـ”الرد بقوة”.

وجاء ذلك بعد ساعات من تصريحات أدلى بها لشبكة “فوكس نيوز”، توعد فيها إيران بـ”تلقينها درسًا قاسيًا”، قبل أن تعلن القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات استهدفت مراكز قيادة ومنصات صواريخ وطائرات مسيّرة ومنشآت للمراقبة داخل الأراضي الإيرانية.

وترى الصحيفة أن هذا النمط من الخطاب أصبح السمة الأبرز لسياسة ترامب تجاه إيران، إلا أنه لم ينجح، وفق تقديرها، في ردع القيادة الإيرانية أو دفعها إلى التراجع عن خياراتها.

تراجع فعالية التهديدات
واعتبرت “لوموند” أن كثافة التصريحات التصعيدية الصادرة عن ترامب خلال الفترة الماضية أسهمت في إضعاف أثرها، خصوصًا بعدما لم تُترجم بعض التهديدات إلى خطوات عسكرية بالحجم الذي أوحت به.

واستشهدت بتصريح أدلى به في السابع من نيسان، قال فيه إن “حضارة بأكملها ستفنى هذه الليلة”، قبل أن يعلن في اليوم التالي وقفًا لإطلاق النار، من دون تنفيذ التهديد الذي سبق أن أطلقه، وهو ما أثار، بحسب الصحيفة، تساؤلات بشأن صدقية هذا النوع من الخطاب.

وأضافت أن ترامب واصل رغم ذلك استخدام اللغة نفسها، مهددًا في أكثر من مناسبة بتوجيه ضربات قاسية إلى إيران، كما لوّح في تموز بـ”تدمير إيران بالكامل” إذا تعرض لمحاولة اغتيال، في إشارة إلى شعارات رُفعت خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي.

كما صعّد لاحقًا على خلفية الهجمات التي استهدفت الملاحة في مضيق هرمز، معلنًا أن الولايات المتحدة ستستهدف منشآت حيوية داخل إيران مقابل أي هجوم جديد، بينما ردت طهران بشعار “العين بالعين”.

بين التهديد والتفاوض
وفي مقابل هذا التصعيد، لفتت الصحيفة إلى أن ترامب استمر في التأكيد أن إيران تسعى إلى العودة للمفاوضات، مشيرًا في أكثر من مناسبة إلى رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق، لكنه ربط أي تسوية بإعلانها التخلي عن برنامجها النووي.

ورأت “لوموند” أن الرئيس الأميركي سعى، في كل محطة سياسية أو عسكرية، إلى تقديم الولايات المتحدة بوصفها الطرف المنتصر، سواء عند إعلان وقف إطلاق النار أو بعد توقيع “مذكرة التفاهم”، على الرغم من غياب مؤشرات تؤكد قبول إيران بالشروط الأميركية.

وأضافت أن ترامب كرر مرارًا أن الإيرانيين “يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق”، لكنه عاد في الوقت نفسه ليشكك في جدوى منحهم هذه الفرصة، قبل أن يؤكد لاحقًا أنهم “يسعون بصورة يائسة للحوار”، وهي رواية قالت الصحيفة إن التطورات الميدانية والدبلوماسية لم تقدم أدلة واضحة تدعمها.

أهداف غير محسومة
وأشارت الصحيفة إلى أن إعلان ترامب المتكرر تحقيق “انتصار كامل” لم يحسم التساؤلات المتعلقة بالهدف النهائي للحرب، سواء كان إسقاط النظام الإيراني، أو القضاء على البرنامج النووي، أو الحد من النفوذ الإقليمي لطهران.

وأضافت أنه، رغم تأكيد الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أن إيران تعرضت لهزيمة عسكرية كبيرة وأن قدراتها البحرية والجوية تراجعت بصورة واسعة، فإن التطورات اللاحقة أظهرت استمرار امتلاكها أدوات ضغط مكّنتها من مواصلة استهداف المصالح الأميركية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.

تناقض في توصيف القيادة الإيرانية
كما رصدت “لوموند” ما وصفته بالتناقض في تصريحات ترامب بشأن القيادة الإيرانية، إذ انتقل من وصفها بأنها “شريرة وعنيفة” والإعلان عمليًا انتهاء أي تفاهم معها، إلى الإشادة في مرحلة لاحقة بما اعتبره قيادة “أكثر ذكاءً وأقل تطرفًا”.

وفي السياق نفسه، لفتت إلى أنه تحدث في مرحلة عن غياب عدد من القيادات الإيرانية نتيجة الضربات الأميركية و”الإسرائيلية”، قبل أن يعترف لاحقًا بصعوبة التواصل مع المسؤولين الإيرانيين، قائلًا: “نريد التحدث معهم، لكن لم يعد هناك أحد لنتحدث معه”.

خلاصة التقرير
وخلصت “لوموند” إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران اتسمت خلال الأشهر الماضية بالتذبذب بين التصعيد العسكري والدعوة إلى التفاوض، وبين إعلان تحقيق انتصارات والإقرار باستمرار قدرة إيران على ممارسة الضغط العسكري والسياسي.

واعتبرت الصحيفة أن هذا التباين يعكس غموضًا في الاستراتيجية الأميركية، في ظل استمرار الحرب من دون تحقيق أهداف حاسمة، مقابل محافظة طهران على موقفها الرافض لتقديم تنازلات جوهرية.