مفاعل بوشهر.. خمسون عامًا من الصمود في قلب العاصفة

لم يكن إنشاء محطة بوشهر النووية مشروعًا تقنيًا لإنتاج الكهرباء فحسب، بل مثّل منذ انطلاقه أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية طموحًا في تاريخ إيران الحديث. فعلى مدى أكثر من خمسة عقود، عكست المحطة مسار التحولات التي شهدتها البلاد، من مشروع التحديث في عهد الشاه، إلى الثورة الإسلامية، ثم الحرب العراقية – الإيرانية، وصولًا إلى العقوبات الدولية والصراع المفتوح مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

ومع تجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران خلال عام 2026، عادت بوشهر إلى واجهة الاهتمام الدولي بعدما سقطت مقذوفات في محيطها، وأصيبت منشآت كهربائية قريبة منها، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تداعيات أي استهداف لمنشأة نووية عاملة في منطقة تشهد توترًا عسكريًا متصاعدًا.

مشروع ولد قبل الثورة
تعود جذور محطة بوشهر إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما أطلق شاه إيران محمد رضا بهلوي برنامجًا نوويًا واسعًا، كان يهدف إلى بناء شبكة من المحطات النووية لتلبية احتياجات البلاد المستقبلية من الطاقة، وتقليل الاعتماد على النفط، إلى جانب ترسيخ صورة إيران بوصفها دولة تمتلك أحدث التقنيات.

وفي عام 1975، تعاقدت طهران مع شركة “كرافت فيرك يونيون” الألمانية، التابعة لشركة “سيمنز”، لبناء مفاعلين نوويين في بوشهر على ساحل الخليج.

لكن المشروع توقف بصورة مفاجئة عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وانسحاب الشركات الغربية من إيران، لتتحول المنشأة إلى هيكل إسمنتي غير مكتمل وسط جدل داخل القيادة الجديدة حول جدوى استكمال المشروع.

الحرب أعادت المشروع إلى الحياة
جاءت الحرب العراقية – الإيرانية لتغير النظرة إلى المشروع النووي، فخلال الحرب تعرض موقع بوشهر لغارات جوية عراقية متكررة أدت إلى أضرار كبيرة في المنشآت غير المكتملة، إلا أن تلك الهجمات عززت، في المقابل، قناعة القيادة الإيرانية بأهمية امتلاك بنية تحتية استراتيجية قادرة على دعم استقلال البلاد في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.

ومع انتهاء الحرب، بدأت طهران البحث عن شريك جديد لإحياء المشروع، بعدما رفضت الشركات الغربية العودة إلى إيران تحت ضغط العقوبات والخلافات السياسية.

روسيا تدخل المشهد
وجدت إيران في روسيا الشريك القادر على استكمال المشروع، ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي، وقعت موسكو وطهران اتفاقًا لإعادة بناء محطة بوشهر، وتولت شركة “روساتوم” الروسية تنفيذ الأعمال وفق تصميم مختلف عن التصميم الألماني الأصلي، في واحدة من أكثر عمليات الدمج الهندسي تعقيدًا في قطاع الطاقة النووية.

واستغرقت عملية الإنجاز سنوات طويلة بسبب التعقيدات التقنية والعقوبات الدولية والخلافات السياسية، قبل أن يبدأ المفاعل الأول إنتاج الكهرباء وربطه بالشبكة الوطنية عام 2011، ليصبح أول مفاعل نووي مدني عامل في إيران.

محطة مدنية… ولكنها ذات أبعاد استراتيجية
تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية باستمرار أن محطة بوشهر تخضع لنظام رقابة دولي، وأن روسيا تزودها بالوقود النووي، ثم تستعيد الوقود المستهلك بعد انتهاء دورة تشغيله، وهو ما يقلل احتمالات استخدامه لإنتاج البلوتونيوم المخصص للأسلحة النووية.

إلا أن أهمية بوشهر لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، فوجود محطة نووية عاملة منح البرنامج النووي الإيراني بعدًا عمليًا، وأسهم في تكوين كوادر علمية وهندسية متخصصة في التكنولوجيا النووية، كما وفر مبررًا لتطوير الصناعات المرتبطة بدورة الوقود النووي، وفي مقدمتها تخصيب اليورانيوم، وهو الملف الذي ظل محور الخلاف بين إيران والدول الغربية طوال العقدين الماضيين.

ولهذا ينظر كثير من الخبراء إلى بوشهر باعتبارها جزءًا من البنية التحتية التي دعمت تطور البرنامج النووي الإيراني، حتى وإن لم تكن هي نفسها جزءًا من الأنشطة المرتبطة بتطوير الأسلحة النووية.

لماذا تثير بوشهر كل هذا القلق؟
تختلف محطة بوشهر عن معظم المواقع النووية الإيرانية الأخرى.
فالمنشآت مثل نطنز وفوردو وأصفهان ترتبط بعمليات التخصيب أو إنتاج الوقود النووي، أما بوشهر فهي مفاعل نووي عامل يحتوي على وقود مشع، الأمر الذي يجعل أي استهداف مباشر له يحمل مخاطر بيئية وإشعاعية تتجاوز حدود إيران.

ولهذا السبب، حرصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرارًا على التحذير من استهداف المحطة، مؤكدة أن أي حادث كبير فيها قد يترتب عليه آثار تمتد إلى دول الخليج والمنطقة المحيطة.

عودة إلى دائرة الخطر
ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة خلال عام 2026، عادت المحطة إلى دائرة الاهتمام الأمني.

فقد أشارت تقارير إلى سقوط مقذوفات قرب الموقع، وإصابة منشآت كهربائية مجاورة، بينما أعلنت روسيا إجلاء عدد من العاملين غير الأساسيين في المحطة كإجراء احترازي، في حين أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية والسلطات الروسية عدم تعرض المفاعل لأي أضرار مباشرة.

ورغم ذلك، حذر عدد من الخبراء من أن استمرار العمليات العسكرية في محيط المنشأة يرفع احتمالات وقوع حادث غير مقصود، سواء نتيجة إصابة البنية التحتية الكهربائية أو منظومات الحماية المحيطة بالمفاعل.

أكثر من محطة كهرباء
اليوم، لم تعد بوشهر مجرد منشأة لإنتاج الطاقة الكهربائية، بل أصبحت رمزًا للصمود السياسي والتقني في نظر طهران، وأحد أبرز عناوين الصراع بين إيران والغرب.

فالمفاعل الذي نجا من الثورة، والقصف العراقي، والعقوبات الدولية، وتأخر إنجازه لعقود، ما زال يمثل بالنسبة إلى إيران دليلًا على قدرتها على مواصلة مشاريعها الاستراتيجية رغم الضغوط الخارجية، فيما تنظر إليه القوى الغربية باعتباره عنصرًا لا يمكن فصله عن المشهد العام للبرنامج النووي الإيراني.

وبين هاتين الرؤيتين، تبقى بوشهر واحدة من أكثر المنشآت النووية حساسية في الشرق الأوسط، إذ تختزل في موقع واحد تاريخ المشروع النووي الإيراني، وتعقيدات الصراع الإقليمي، ومخاطر أي مواجهة عسكرية قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود إيران.