خبير عسكري صيني: إيران انتقلت من استهداف القواعد إلى «صيد الأهداف الثمينة»

يستعرض الكاتب محمود جمال، في دراسة نشرها المعهد المصري للدراسات، قراءة الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ للتحول الذي طرأ على العقيدة العسكرية الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة، معتبرًا أن طهران لم تعد تعتمد على أسلوب الرد التقليدي باستهداف القواعد العسكرية، بل تتجه نحو استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على ضرب مراكز الثقل العملياتية، وتعطيل شبكات القيادة والسيطرة، واستهداف الأهداف عالية القيمة قبل أن تتمكن واشنطن من فرض تفوقها العسكري.

ويشير الكاتب إلى أن أهمية هذا التحليل لا تنبع فقط من تناوله الاستراتيجية الإيرانية، بل أيضًا من كونه يعكس رؤية المدرسة العسكرية الصينية للحروب الحديثة، التي تعطي أولوية للحرب الشبكية، والحرب غير المتماثلة، واستهداف منظومات الخصم بدلًا من الاكتفاء بمواجهة قواته التقليدية.

انتقال إلى مرحلة جديدة
وبحسب دو وينلونغ، فإن إيران انتقلت من سياسة الرد على الهجمات إلى محاولة منع تشكل التفوق الأميركي منذ مراحله الأولى، وذلك عبر استهداف القدرات الناشئة التي تعتمد عليها واشنطن، وفي مقدمتها الأنظمة غير المأهولة، ومراكز الذكاء الاصطناعي، وشبكات القيادة والسيطرة.

ويرى أن هذا التحول يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة الحروب الحديثة، التي لم يعد فيها تدمير القواعد العسكرية وحده كافيًا لإضعاف الخصم، بل أصبحت الأولوية لتعطيل المنظومة التي تدير العمليات العسكرية بأكملها.

استهداف مراكز الثقل
ويلفت الكاتب إلى أن الدراسة تركز على انتقال إيران من مفهوم “حرب القواعد” إلى ما يسميه الخبير الصيني “صيد الأهداف الثمينة”، حيث أصبحت مراكز القيادة، والرادارات، وشبكات الاتصالات، ومراكز تحليل المعلومات، ضمن الأهداف ذات الأولوية.

ويعتبر دو وينلونغ أن إصابة هذه المكونات قد تحقق أثرًا عسكريًا يفوق تدمير قواعد أو منصات قتالية، لأنها تؤدي إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة وإضعاف قدرة الخصم على إدارة المعركة.

الضربة الاستباقية
ويستعرض الكاتب رؤية الخبير الصيني بشأن لجوء إيران إلى الضربات الاستباقية، بهدف حرمان الولايات المتحدة من نشر منظومات يمكن أن تمنحها تفوقًا عملياتيًا في الخليج، ولا سيما الزوارق والطائرات غير المأهولة، ومراكز الذكاء الاصطناعي.

ويذهب دو وينلونغ إلى أن هذه المقاربة تستند إلى مفهوم “الحرمان العملياتي”، الذي يقوم على منع الخصم من استكمال بناء قدراته العسكرية قبل استخدامها في ميدان القتال.

الحرب الشبكية والاستنزاف
كما يتناول المقال مفهوم “الهجوم الشبكي”، الذي يقوم على استهداف شبكات الاتصال والرادارات ومراكز العمليات والقواعد اللوجستية، بهدف إبطاء دورة القرار العسكري وإضعاف كفاءة القوات الأميركية.

وفي السياق نفسه، يناقش الكاتب استخدام دو وينلونغ لمفهوم “الأكرنة”، في إشارة إلى احتمال تحول أي مواجهة أميركية – إيرانية إلى حرب استنزاف طويلة تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات غير المتناظرة، بما يرفع كلفة الحرب ويمنع تحقيق حسم سريع.

تعويض فجوة القوة
ويخلص الكاتب إلى أن الدراسة ترى في الاستراتيجية الإيرانية محاولة لتعويض الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية مع الولايات المتحدة، من خلال التركيز على رفع كلفة الحرب، واستهداف الأهداف مرتفعة القيمة، وتوسيع نطاق الضغوط عبر أدوات الحرب غير المتماثلة.

ويؤكد أن دو وينلونغ يعتبر أن مستقبل أي مواجهة لن تحسمه كثافة النيران وحدها، بل قدرة كل طرف على حماية شبكاته الحيوية، والحفاظ على منظومات القيادة والسيطرة، ومنع خصمه من استخدام تفوقه العسكري بكفاءة، وهو ما يجعل الصراع الأميركي – الإيراني نموذجًا للتحولات التي تشهدها العقائد العسكرية في القرن الحادي والعشرين.