خيارات إيران في مواجهة الحصار: «حرب الناقلات» عائدة؟

خيارات إيران في مواجهة الحصار: «حرب الناقلات» عائدة؟

في الوقت المستقطَع ما بين جولتَي إسلام آباد التفاوضيتَين، يسعى كلّ من الطرفَين المتحاربَين إلى فرض روايته؛ فالولايات المتحدة التي لم تنجح في انتزاع نصر حاسم، تعمل على تعويض هذا النقص عبر بناء «صورة نصر» تُستخدم كورقة تفاوضية، في حين تتحرّك إيران، بثقة مدروسة، لتفكيك تلك السردية، مستندةً إلى وقائع ميدانية وإجراءات عملية تعيد رسم ميزان القوى. ومنذ بدء المعركة، تبنّت الإدارة الأميركية مقاربة قائمة على الضغط المركّب - وذلك عبر تهديد عسكري مباشر يترافق مع خنق اقتصادي وتجاري -، مستهدفةً ليس دفع إيران إلى التفاوض فقط، بل فرض صورة ذهنية تسبق أيّ اتفاق، مفادها أن طهران جاءت مكرهة، ومن موقع ضعف إلى طاولة إسلام آباد، وهو ما يتّسق مع سعي واشنطن إلى تحويل أيّ تسوية محتملة إلى ما تصفه بـ«الإقرار الإيراني بالهزيمة».

على أن الجولة الأولى من التفاوض كشفت هشاشة تلك المقاربة؛ فبينما روّج الأميركي لكون العامل الأساسي لدخول إيران حلبة التفاوض كان سقف التهديد المرتفع بضرب البنى التحتية الحيوية، قدّمت إيران إطاراً تفاوضياً متكاملاً من عشرة بنود، أعادت عبره تعريف قواعد اللعبة، مؤكدةً أنها لا تتفاوض تحت الإكراه، بل من موقع القادر على فرض شروطه أو على الأقلّ منع فرض شروط عليه. أمام هذا الواقع، وجدت الولايات المتحدة نفسها إزاء معضلة إنهاء المواجهة من دون أن تُظهر قبولها للشروط الإيرانية، فكان الحلّ بالانتقال إلى تصعيد محسوب متمثّل في الحصار البحري. والحصار هذا، تدرّج عبر إعلانات متعدّدة، وصولاً إلى إبداء التمسّك به رغم إعلان إيران - بالتزامن مع وقف إطلاق النار في لبنان - فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية غير العسكرية عبر مسارات آمنة داخل مياهها الإقليمية قرب جزيرة «لارك»، وهو ما سحب من المفاوض الأميركي واحدة من أهمّ أوراق الضغط، وأظهر الجمهورية الإسلامية كضامن للاستقرار الملاحي لا كمهدّد له، وأحرج صاحب القرار الأميركي الذي شكر إيران على فتح المضيق.

وهكذا، بدا الإصرار على فرض الحصار البحري، محاولة لتعويض خسارة ورقة «هرمز»، بعد أن نجحت إيران في تحييدها جزئياً. وأتى ذلك رغم الإدراك التامّ لمحدودية فاعلية الحصار؛ فالجغرافيا البحرية الواسعة، وتعدّد مسارات التجارة الإيرانية، وغياب القدرة الفعلية على فرض طوق محكم قرب السواحل الإيرانية، كلّها عوامل تجعل «الخناق» الأميركي أقرب إلى إجراء رمزي منه إلى أداة ضغط حقيقية. كما أن إيران تمتلك أدوات التفاف فعّالة، أبرزها العمق البرّي عبر دول الجوار، وفي مقدّمها العراق وتركيا وباكستان؛ إذ إن هذه المسارات، رغم كلفتها الأعلى، توفّر بديلاً عملياً يسمح باستمرار تدفّق السلع والطاقة، ما يقلّل من أثر الحصار. ويضاف إلى ما تقدّم، أن سماح طهران بمرور سفن «صديقة»، ولو بشكل محدود، أضفى طابعاً انتقائياً على إدارة الملاحة، وكرّس واقعاً مفاده أن السيطرة الفعلية على المضيق لم تنتقل إلى واشنطن.

ومع تراجع جدوى الحصار إعلامياً، تصاعد التوتر نحو مستويات أكثر خطورة؛ إذ اعتُبر اعتراض حاملة حاويات إيرانية خرقاً مباشراً لوقف إطلاق النار، ما استدعى رداً سريعاً عبر الطائرات المسيّرة التابعة للبحرية الإيرانية في اتجاه قطع بحرية أميركية، وذلك كرسالة استراتيجية بأن قواعد الاشتباك يمكن أن تتغيّر، وأن «حرب الناقلات» لم تعُد مسألة نظرية، بل باتت خياراً قابلاً للتنفيذ. هنا، تَدخل المواجهة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تصبح المعادلة الحاكمة: «النفط مقابل النفط»؛ فالهدف الأميركي من الحصار هو خنق صادرات النفط الإيرانية، لكن الردّ الإيراني المحتمل يتمثّل في تهديد تدفّق النفط عبر مضيق هرمز بأكمله. وهذه ليست ورقة ضغط عادية، بل سلاح استراتيجي يمسّ الاقتصاد العالمي، وليس المصالح الأميركية فقط.

ضمن هذا الإطار، تمتلك إيران مجموعة من الخيارات التصعيدية، أبرزها الإغلاق الكامل للمضيق أمام صادرات النفط، مع الإبقاء على مرور محدود وفق شروطها، بما يعزّز سرديتها بأنها الطرف القادر على التحكّم بالممر الحيوي. كما يمكنها اللجوء إلى استهداف متماثل للسفن التجارية، بما فيها المرتبطة بالولايات المتحدة، سواء داخل الخليج أو خارجه. ورغم أن هذا الخيار لا يبدو مفضّلاً نظراً إلى تداعياته الدولية، إلّا أنه يظل جزءاً من بنك الأهداف، وضمن استراتيجية الردّ المتماثل. مع ذلك، تحاول إيران إبقاء التصعيد ضمن نطاق محسوب، عبر التركيز على الأهداف العسكرية الأميركية بدلاً من توسيع دائرة الصراع لتشمل الملاحة المدنية بشكل شامل، في ما يعكس إدراكاً بأن كسب الرأي العام الدولي لا يقلّ أهمية عن كسب المعركة الميدانية، خاصة في ظلّ سعي طهران إلى تدويل آثار الحصار. فإيران تدرك أن الضغط الحقيقي على الولايات المتحدة لا يأتي من الميدان فقط، بل من الاقتصاد العالمي أيضاً؛ إذ إن تعطيل الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، يمكن أن يحوّلا الحصار من أداة ضغط أميركية إلى عبء دولي يدفع القوى الكبرى إلى التدخّل سياسياً لاحتواء الأزمة، وهو ما يعني نقل الصراع من ثنائية أميركية - إيرانية إلى قضية دولية تمسّ استقرار الأسواق العالمية.

في النتيجة، فإن غياب استراتيجية الخروج من الحرب مع إيران، وضع الولايات المتحدة بين خيارَين أحلاهما مرّ: إمّا التفاوض من دون القدرة على فرض شروط الهزيمة على إيران، وإمّا الذهاب إلى التصعيد من دون ضمان تحقيق نصر، مع احتمال خروج الأمور عن السيطرة بحرب استنزاف طويلة تحضّرت لها طهران جيداً، مستفيدةً من الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية القادرة على إيلام الأميركي وحليفه الإسرائيلي.
حسن حيدر - الأخبار

حرب إيران بين أرباح “الأسلحة الفاخرة” وقلق مخزون صواريخ الدفاع الأمريكي

حرب إيران بين أرباح “الأسلحة الفاخرة” وقلق مخزون صواريخ الدفاع الأمريكي

وسط الحرب الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 آذار 2026 رؤساء كبرى شركات السلاح الأمريكية في البيت الأبيض. وكان من بين هذه الشركات "آر تي إكس كوربريشن" (ريثيون سابقاً) و"لوكهيد مارتن" و"بوينغ" و"نورثروب غرومان" و"بي إيه إي سيستمز" و"إل 3 هاريس تكنولوجيز" و"هانيويلر". بعد الاجتماع أعلن ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال" أنهم خرجوا من الاجتماع بتعهّد جماعي: "مضاعفة الإنتاج أربع مرات" لفئة ما وصفه "الأسلحة الفاخرة". يعني صواريخ الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد" والصواريخ الجوالة مثل "توماهوك"، والمنظومات الجوية والبحرية التي تُستخدم في قصف إيران وحماية القواعد الأمريكية في المنطقة.

كذلك كشف ترامب أن خطط التوسعة بدأت قبل الاجتماع بنحو ثلاثة أشهر، وأن ولايات أمريكية عدة تتنافس على استضافة المصانع الجديدة، بما يفتح أمام هذه الشركات آفاق أرباح مستقبلية هائلة.

انتعشت أسهم غالبية شركات السلاح الأمريكية في سوق الأسهم "وول ستريت" خلال الحرب مع إيران. ودعمت معركة اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية في الشرق الأوسط باستخدام منظومات دفاعٍ جوي متنوعة سوقاً صناعية وعسكرية كاملة تدور فيها مليارات الدولارات بما يمكن تسميته "اقتصاد الاعتراض". فكل صاروخ يُطلق لاعتراض تهديد جوي لا يستهلك مخزوناً عسكرياً وحسب، بل يُفعّل أيضاً سلسلة إنتاج تمتد من الرادارات ومنظومات القيادة والسيطرة إلى صواريخ الاعتراض نفسها وما يرتبط بها من عقود صيانة وتحديث وتوسعة. ومع تعمق الاستنزاف في وسائل الدفاع الجوي، يزداد الطلب عليها وتتوسع عجلة الإنتاج وأرباحها. وكذا يُفتح الباب أمام أساليب تفكير جديدة في سُبل اعتراض أنجع وأسرع انتاجاً وأقل تكلفة، مع بقاء المكسب الاقتصادي دافعاً محورياً.


في آذار 1983 ظهر الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، على شاشة التلفزيون من المكتب البيضاوي، بربطة عنق داكنة ونبرة واثقة مألوفة في خطابات الحرب الباردة. وما قاله تلك الليلة كان أبعد من خطاب تعبئة تقليدي. فبعد استعراض خطر الترسانة السوفييتية ومنطق "الردع النووي"، توقّف لحظة وسأل الأمريكيين: "أليس من الأفضل أن ننقذ الأرواح بدلاً من أن نثأر لها؟".

بهذا طرح ريغان رؤيته لمشروع دفاعي واسع، يهدف إلى تطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية السوفييتية قبل أن تبلغ الأراضي الأمريكية أو أراضي الحلفاء. وهو ما أسفر عما عرف لاحقا باسم "مبادرة الدفاع الاستراتيجي"، المشروع الأمريكي الذي وصفه الإعلام آنذاك بمصطلح "حرب النجوم"، وهو اسم سلسلة أفلام خيال علمي أمريكية. وقد مثّل هذا المشروع مرحلة جديدة في سباق التسلح وفتحَ مساراً جديداً لاستثمار حكومي طويل الأمد لدعم برامج الدفاع الصاروخي مالياً وتقنياً، أثمر لاحقاً منظومات مثل باتريوت وثاد المنتشرة اليوم في دول كثيرة، منها ألمانيا وبولندا وكوريا الجنوبية وتايوان ودول الخليج وإسرائيل.

وعلى ما بدا عليه من أهمية، لم يأتِ خطاب ريغان تصوراً جديداً ضمن سباق التسلح أثناء الحرب الباردة. فالجيش الأمريكي كان قد بدأ في منتصف الستينيات مشروع دفاع جوي طورته شركة "ريثيون"، أطلق عليه آدز‑سفِنتي (اختصاراً لمصطلح "منظومة الجيش للدفاع الجوي"). تحول لاحقاً إلى برنامج "سام‑دي" بإدارة مركز الصواريخ في قاعدة ريدستون بولاية ألاباما جنوب شرق الولايات المتحدة. وكان هدفه محاولة تطوير نظامٍ قادرٍ على حماية القوات والمنشآت من الطائرات المقاتلة المتقدمة، ومختلف التهديدات الجوية التي كان متوقعاً ظهورها في السبعينيات والثمانينيات.

اختيرت شركة ريثيون منفذاً رئيساً لهذا المشروع سنة 1967، ليدخل البرنامج بعد ذلك مرحلة تطوير طويلة شهدت أول إطلاق تجريبي لصاروخ سام-دي سنة 1969. تبع ذلك سلسلة من الاختبارات في ميدان وايت ساندز، وهي منطقة شاسعة مخصصة لاختبار الصواريخ والأسلحة والتقنيات العسكرية في ولاية نيو مكسيكو، أظهرت قدرة النظام على تتبع أكثر من هدف والعمل في بيئة تشويش إلكتروني. وقد ظل "سام-دي" في تلك المرحلة مشروعاً للدفاع الجوي الميداني، لا لبناء درع صاروخي استراتيجي واسع لاعتراض الصواريخ الباليستية العابرة القارات. أي أن المشروع كان يتحرك حتى منتصف السبعينيات داخل منطق الدفاع، لا ضمن الرؤية الأشمل التي طرحها رونالد ريغان لاحقاً.

ثم في كانون الثاني 1976، بعد سلسلة اختبارات ناجحة على مفهوم التوجيه عبر الصاروخ، أعاد البنتاغون إطلاق المشروع في مسار تطوير كامل، ومنحه اسماً جديداً هو "باتريوت" (وطني). قد حمل الاسم دلالة سياسية ورمزية، إذ أرادت الإدارة الأمريكية تقديمه نظاماً دفاعياً حديثاً لحماية القوات الأمريكية وحلفائها في أجواء الحرب الباردة. وبذلك كان الأساس التقني لباتريوت قد بدأ يتشكل قبل سنوات من خطاب ريغان، وإن منح ريغان برامجَ الدفاع الصاروخي الأمريكية زخماً سياسياً وتمويلاً أوسع.

في تشرين الأول 1980 حصل البرنامج على عقد إنتاج محدود، ثم تسلم الجيش الأمريكي أول صاروخ باتريوت في كانون الأول 1981، قبل أن يفعّل أول كتيبة تشغيلية في أيار 1982. وبعد اجتياز اختبارات تشغيلية مهمة في 1984، أوصى الجيش الأمريكي بنشر المنظومة في أوروبا. بعدها بنحو عام، أصبحت أول كتيبة باتريوت أمريكية في أوروبا، تحت قيادة الدفاع الجوي الثاني والثلاثين في ألمانيا، جاهزة للعمل بعد تقييم الناتو. وفي الوقت نفسه، كانت تحديثات "باك-1" و"باك-2" لباتريوت قيد التطوير لتوسيع مهام المنظومة، بحيث لا تبقى مقتصرة على الدفاع ضد الطائرات، بل تتجه تدريجياً نحو أداء دور أكبر في مواجهة التهديد الصاروخي. وهو المسار الذي بلغ ذروته مع نهاية الحرب الباردة نهاية الثمانينيات وبعدها، حين تحولت باتريوت من منظومة دفاع جوي تقليدية إلى أحد أعمدة الدفاع الصاروخي الأمريكي.

ومع غزو العراق الكويتَ صيف 1990، تحولت السعودية إلى قاعدة رئيسة لحشد القوات الأمريكية استعداداً لتحرير الكويت، فيما تصاعدت المخاوف من استخدام صواريخ سكود العراقية ضد القواعد والتجمعات العسكرية والمدن الخليجية. لذا نُقلت منظومة باتريوت على عجل إلى منطقة الخليج بعد دخول تحديثاتها الجديدة الخدمة. وبعد أشهر قليلة، تحديداً في 18 كانون الثاني 1991، اعترضت المنظومة صاروخ سكود عراقي فوق السعودية، في سابقة قدمها الجيش الأمريكي أول نجاح لنظام دفاع جوي ضد صاروخ باليستي معادٍ.

غير أن المنظومة واجهت اختباراً قاسياً في 25 شباط 1991، حين فشلت في اعتراض صاروخ سقط على ثكنة عسكرية قرب الظهران شرق السعودية، ما أسفر عن مقتل ثمانية وعشرين جندياً أمريكياً وإصابة العشرات. وقد هزّ الحادث واشنطن، وفُتح على الأثر تحقيق عاجل مهّد لمرحلة طويلة من الإنفاق المكثف على تطوير النظام، الذي ظل مع ذلك يتحول تدريجياً من مشروع دفاع جوي إلى ركيزة أساس في بنية الدفاع الصاروخي الأمريكي.

أطلق الجيش الأمريكي بعدها برنامج "الاستجابة السريعة" لإدخال تعديلات عاجلة على الرادار والبرمجيات استناداً إلى الدروس التي تعلمها في الحرب. ثم اتجه الأمريكيون منتصف التسعينيات إلى تطوير صاروخ "باك-3"، اعتماداً على تقنية "إرينت" المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعد أن بدأ الجيش الأمريكي تطويرها نهاية الثمانينيات.

وعبر هذه المسيرة الممتدة ثلاثةَ عقود، تحول باتريوت من نظام مضاد الطائراتِ إلى عنصر رئيس في منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات، يعمل في المدى والارتفاع المنخفض. وفي المقابل برزت الحاجة إلى طبقة أعلى لاعتراض الصواريخ في مراحل متقدمة من مسارها، وهو ما أدى إلى تطوير منظومة "ثاد".

وكانت المنظومة قد بدأت اقتراحاً أواخر الثمانينيات، ثم في 1990 قدم الجيش الأمريكي طلباً رسمياً لتطوير نظام قادر على اعتراض الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في الطبقة العليا من الغلاف الجوي. وبعد نحو عامين، اختيرت شركة لوكهيد مارتن منفذاً رئيساً لإنتاج ثاد، قبل أن تنجح أول اختبارات الاعتراض الفعلية في أواخر التسعينيات، ويدخل النظام مرحلة التطوير الإنتاجي مطلع الألفية. ثم بدأ نشر بطاريات المنظومة في مواقع حساسة حول العالم سنة 2008، من كوريا الجنوبية إلى بعض دول الخليج، وصولاً إلى أول استخدام قتالي ناجح للنظام عندما اعترض صاروخاً باليستياً حوثياً فوق إمارة أبوظبي سنة 2022.

هكذا باتت منظومة ثاد الطبقة الأعلى التي تُكمّل السلم الطبقي للدفاعات، وتحول التصور الدفاعي الذي طرحه ريغان مطلع الثمانينيات إلى منظومة دفاعية متكاملة تتجسد في الحرب الأخيرة في مظلات الاعتراض الكثيفة فوق دول المنطقة  منذ نهاية شباط 2026. وقد أعادت صواريخ إيران ومسيراتها في هذه الحرب اختبار الشبكة الدفاعية وأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة.


تبدو خريطة الدفاع الجوي في بعض دول الخليج اليوم شبكة طبقية متداخلة. إذ تشكّل منظومة باتريوت العمود الفقري للمنظومة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين، حيث تتمركز البطاريات حول العواصم والقواعد الجوية وحقول النفط. بينما تضيف ثاد طبقة اعتراض أعلى فوق السعودية والإمارات وقطر بمواقع قريبة من قواعد رئيسة، مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية ومحيط أبوظبي والدوحة. وتدعم هذه المنظومات رادارات إنذار مبكر بعيدة المدى، موزعة بين الأردن وقطر والسعودية والإمارات، تعمل على رصد التهديدات الجوية من مسافات بعيدة وفي وقت مبكر ومن ثم إرسال بياناتها إلى بطاريات ثاد وباتريوت الأمريكية والخليجية المنتشرة في القواعد الكبرى لتوجيه عملية الاعتراض.

وخلف هذا المشهد المزدحم بالصواريخ والرادارات، يبرز جانب من التكامل الدفاعي مع إسرائيل، باعتبار أنّ منظومات الدفاع أمريكية الصنع. وبحسب تقارير صحفية ووثائق مسربة، منها ما نشره الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست في تشرين الأول 2025، تبدو إسرائيل جزءاً من هذه المظلة الأمريكية عبر شبكتها الرادارية ومنظوماتها الدفاعية المرتبطة بالقيادة الأمريكية. وبحسب المعلن، تستضيف إسرائيل بطارية ثاد أمريكية واحدة نُشرت في تشرين الأول 2024 ويشغلها جنود أمريكيون. وتذكر تقارير إسرائيلية نشر بطارية أمريكية ثانية في نيسان 2025.

أما منظومات باتريوت التي شغلّتها إسرائيل عقوداً، فقد أُخرجت من الخدمة سنة 2024 ضمن خطة لاستبدالها بالشبكة الإسرائيلية الأحدث متعددة الطبقات، وفي مقدمتها "مقلاع داود" في الطبقة الوسطى، و"آرو 2" و"آرو 3" في الطبقة العليا. هذا إلى جانب "القبة الحديدية" للتهديدات قصيرة المدى والمسيّرات.

ومع تنوع هذه الأنظمة إلا أن جوهر المظلة الدفاعية الإسرائيلية لا يكمن في الصواريخ نفسها، بل في شبكات الإنذار المبكر ومنظومات القيادة والسيطرة التي تربط الطبقات المختلفة وتحدد شكل الاشتباك مع التهديدات ووقته. يُظهر هذا تقاطعاً  عربياً إسرائيلياً خرج إلى العلن تدريجياً في السنوات الخمس الأخيرة.

ففي سنة 2021 دفع وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس إلى إنشاء برنامج تعاون دفاعي مع البنتاغون، يهدف إلى ربط إسرائيل بعدد من الدول العربية ضمن شبكة دفاع جوي مشتركة تعمل تحت المظلة الأمريكية. وبعد عام واحد، أعلن غانتس دخول هذا البرنامج حيّز التشغيل، مشيراً إلى نجاحه في إحباط محاولات هجوم إيرانية على إسرائيل ودول أخرى، في أول إقرار علني بوجود هذا التنسيق. وأعرب غانتس آنذاك عن أمله في أن تفضي زيارة الرئيس جو بايدن إلى السعودية في تموز 2022 إلى توسيع هذا التحالف الإقليمي، بحيث يشمل السعودية أيضاً تحت مظلة دفاع جوي أوسع تقودها واشنطن.

وبحسب تحقيق الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، استناداً إلى وثائق صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية، تعمل في المنطقة بنية تعاون أمني إقليمي تقودها واشنطن وتضم إلى جانب إسرائيل عدداً من الدول العربية، بينها قطر والسعودية والإمارات والبحرين. يشكل الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية أحد محاوره الرئيسة. 

ويُشار إلى هذا التعاون في الصحافة الأمريكية والإسرائيلية أحياناً باسم "تحالف الدفاع الجوي في الشرق الأوسط"، أو اختصاراً "ميد". والفكرة الجوهرية في هذه المنظومة ليست إنشاء قيادة موحّدة علنية، بل ربط الرادارات والمستشعرات ومنظومات الاعتراض العربية والإسرائيلية رقمياً عبر منصّات القيادة الأمريكية، خاصة في القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم". إذ تُدمج بيانات الإنذار المبكر في "مشهد إنذار مبكر مشترك" تُستخدم لاكتشاف أي صواريخ أو طائرات مسيّرة في أسرع وقت ممكن.

يعني ذلك أن راداراً في دولة خليجية أو الأردن أو إسرائيل قد يلتقط التهديد أولاً، فيشارك إحداثياته آنياً مع باقي الشركاء عبر وصلات بيانات مؤمنة. ثم تتولى كل دولة، أو بطاريات أمريكية متمركزة في أراضيها، قرار الاعتراض من داخل مجالها الجوي.

ومع الطابع غير المعلن لهذا التعاون، إلا أن مؤشرات متعددة كشفت عن ملامحه. من بينها مقال المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، نشره معهد واشنطن في أيلول 2022. كشف شينكر أن هذا المسار تطور في صورة تعاون أمني إقليمي تدعمه الولايات المتحدة يشمل تبادل معلومات الرادار وتكامل طبقات الدفاع الصاروخي والتمارين المشتركة ومبيعات معدات إسرائيلية لبعض دول المنطقة.

فوفق بيانات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تسلّمت الإمارات في 2022 منظومتين من طراز "سبايدر-إم آر" من إسرائيل، إلى جانب مئة وخمسين صاروخ "ديربي" ومئة وخمسين صاروخ آخر من طراز "بايثون 5". وهما صاروخان اعتراضيان تقوم عليهما عائلة "سبايدر" التي طورتها شركة رفائيل الإسرائيلية. وهو ما قد يعزز فرضية دخول دفاعات جوية إسرائيلية إلى الخدمة الإماراتية ضمن مسار التعاون الدفاعي الأوسع بين البلدين.

كذلك أشارت ورقة صادرة عن مركز فينابل في تشرين الثاني 2023، وهو هيئة تنسيق عسكرية أوروبية غير حكومية، إلى أن الاتفاقات الإبراهيمية تجاوزت مسار التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي، لتشمل منطقاً أمنياً متصاعداً قوامه إدراكٌ مشترك التهديدَ الإيراني بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وتوضح الورقة أن هذا المناخ فتح المجال أمام تسارع التعاون العسكري وتجارة السلاح، بما في ذلك الأمن البحري والدفاع الجوي والدفاع الصاروخي، في إطار سعي أمريكي أوسع لبناء بنية أمنية إقليمية أخف كلفة وأكثر اعتماداً على الشركاء.

الأسلحة الإسرائيلية التي تسلمتها الإمارات وفق بيانات معهد ستوكهولم

وفي الحرب الأخيرة كشفت استهدافات إيران في بعض دول الخليج وإسرائيل عن ما يبدو فهم الإيرانيين طبيعةَ الشبكة الدفاعية التي تربط جيرانهم العرب بإسرائيل. فقد عمدت إيران إلى محاولة تعطيل قدرة هذه المظلّة على اكتشاف الأهداف الجوية وتبادل البيانات في اللحظة ذاتها، أي سعت لتعطيل قدرتها على العمل شبكةً متكاملة.

فبحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 4 آذار 2026، لم تستهدف الضربات الإيرانية قواعد استضافة القوات الأمريكية في المنطقة، بل فقأت أعين المنظومة الدفاعية عندما أصابت (أو حاولت) منشآت الاتصالات والرادار المرتبطة بالإنذار المبكر الأمريكية، في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات والأردن. بما في ذلك منشآت حيوية مثل مقر الأسطول الخامس في المنامة وقاعدة العديد في قطر. 

وقد أظهر تحليل لاحق للصحيفة أن ما لا يقل عن سبعة عشر موقعاً عسكرياً ودفاعياً أمريكياً تضرر بدرجات متفاوتة، ضمن موجات قصف كثيفة شملت آلاف الصواريخ والمسيّرات. ومع نجاح الدفاعات في اعتراض نسبة كبيرة منها، إلا أن نحو نصف الأهداف أصيبت. 

خلف المشهد العسكري المعقّد، تقف عملية اقتصادية مهولة تُحرّكها شركات السلاح الكبرى التي تصنع كل مكوّنات منظومتي باتريوت وثاد. من الرادارات بعيدة المدى ومراكز القيادة والسيطرة إلى قواذف الصواريخ وصولاً إلى صواريخ الاعتراض نفسها وقطع الغيار، ومنظومات الاتصالات والدعم، كلها بدأت تتكشف كلفتها مع اشتعال الحرب.


قُدَّرت كلفة الساعات المئة الأولى من العمليات ضد إيران بنحو 3.7 مليار دولار للقوات الأمريكية وحدها. وبحلول اليوم السادس وصلت التكاليف لحوالي 11.3 مليار دولار، حسبما أحالت وزارة الدفاع الأمريكية للكونغرس. وكذلك قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، في تقرير في 5 آذار 2026، كلفة الذخائر المستهلكة بنحو 758 مليون دولار يومياً، شاملاً ذلك الصواريخ والقنابل.

أعلن معهد باين للسياسات العامة الأمريكي أن المرحلة الافتتاحية شهدت إطلاق نحو أربعين صاروخاً من ثاد، وتسعين صاروخ باتريوت من طرازي "باك‑2" و"باك‑3 إم إس إي". إضافة إلى نحو مئة وثمانين صاروخاً بحرياً من طرازات "إس إم‑2" و"إس إم‑3" و"إس إم‑6" لاعتراض الرشقات الإيرانية المتزامنة التي استهدفت القواعد الأمريكية والبنية التحتية الخليجية والإسرائيلية في آن واحد.

وتظهر هذه الأرقام معادلة الكلفة غير المتكافئة التي حكمت الحرب في أيامها الأولى. فتكلفة المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" بحدود خمسة وثلاثين ألف دولار تقريباً، والصاروخ الباليستي متوسط المدى ما بين مئات الآلاف من الدولارات للنماذج القديمة غير الدقيقة إلى مليون ومليوني دولار للنماذج الأحدث. في المقابل يقدَّر ثمن صاروخ ثاد الاعتراضي الواحد بنحو 12.7 مليون دولار، وقد تصل التكلفة إلى 15 مليون دولار. ويكلف صاروخ باتريوت من طراز "باك‑3 إم إس إي" بين أربعة ملايين وسبعة ملايين دولار للقطعة الواحدة بحسب العقود وبلد الشراء.

من هنا يفرض كل دولار تنفقه إيران على هجوم بالمسيّرات على الدفاعات الأمريكية والخليجية إنفاقاً يتراوح تقريباً بين خمسة عشر وخمسة وثلاثين دولاراً في الاعتراض. ولا يعني ذلك أن كل مسيّرة أو صاروخ إيراني يُواجه تلقائياً بصاروخ من ثاد أو باتريوت. إذ تعمل شبكات الدفاع الجوي وفق منطق متعدد الطبقات يوزع الاشتباك بين أنظمة مختلفة بحسب نوع التهديد ومساره وأولويته. لكن الهجمات الكثيفة تدفع هذه الشبكات، في كثير من الحالات، إلى استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن لإسقاط الأهداف الأخطر.

هذه الفجوة لخّصها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين قال إن إيران تنتج "أكثر من مئة صاروخ شهرياً" مقابل قدرة أمريكية لا تتجاوز "ستة أو سبعة صواريخ اعتراض جديدة في الشهر". وهي نسبة إنتاج خمسة عشر إلى واحد لصالح إيران، في معادلة تستنزف المخزونات الأمريكية بسرعة وتنعش في المقابل عقود التذخير وإعادة الإنتاج وقطع الغيار لشركات السلاح الأمريكية.

وفي قلب هذه السلسلة تقف "آر تي إكس"، الشركة التي تتكفّل بعيون المنظومة وأعصابها، عبر رادارات "إيه إن/إم بي كيو‑65" الخاصة بالباتريوت، و"إيه إن/تي بي واي‑تو" التي تُعد قلب منظومة ثاد وحلقات القيادة والسيطرة المرتبطة بها. وتقود لوكهيد مارتن صناعة صواريخ الاعتراض نفسها، من "باك‑3 إم إس إي" في الباتريوت إلى صاروخ ثاد الاعتراضي، مع توسعة سنوية طاقةَ الإنتاج إلى مئات الصواريخ لتلبية طلب جبهات أوكرانيا والخليج وآسيا.

إلى جوار هاتين الشركتين تتحرك شركات أخرى مثل "إل 3 هاريس" التي توفّر أنظمة الدفع والتوجيه لصواريخ ثاد إضافة إلى وصلات البيانات "لينك‑16" وحلول القيادة والسيطرة المنتشرة في دول الخليج. وكذلك شركتي "بوينغ" و"نورثروب غرومان" المساندة في أنظمة الدفع والربط الشبكي بين الرادارات والقواذف وغرف العمليات، فتتحول كل عملية تحديث أو توسعة لمنظومات الدفاع الجوي في دول الخليج إلى سلسلة عقود متشابكة.

وخلف التفصيلات التقنية، وعلى وقع دوي الصواريخ في المنطقة، انتجت الحرب الأمريكية على إيران منذ بداياتها أرباحاً لشركات الأسلحة في سوق الأسهم الأمريكية. 

أدوار الشركات في منظومة الدفاع الجوي الأمريكية

قفز سهم لوكهيد مارتن في الأيام الأولى من الحرب أكثر من 4 بالمئة، مسجلاً مستوىً قياسياً جديداً. وارتفع سهم نورثروب غرومان بنحو 6 بالمئة، وسهم آر تي إكس بنحو 5 بالمئة. وجاء ارتفاع الأسهم مقروناً بظهور مخاوف عسكرية واقتصادية من الاستنزاف السريع لمخزوناتِ صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك والصواريخ البحرية، وما يستتبعه ذلك من موجة جديدة من عقود التذخير لهذه الشركات.

فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت أسهم هذه الشركات تتحرك في مسار صاعد تغذّيه حرب أوكرانيا والاستعداد لمواجهات جديدة في الشرق الأوسط. وبين آذار 2023 وآذار 2026 تضاعف سعر سهم آر تي إكس أكثر من 110 بالمئة، وارتفع سهم نورثروب غرومان نحو 60 بالمئة، وجنرال دايناميكس نحو 57 بالمئة، ولوكهيد مارتن نحو 37 بالمئة.

وتشير أرقام شركة آر تي إكس في بيان نتائجها السنوية سنة 2025 إلى نمو مبيعات قطاع رايثيون بنحو 5 إلى 7 بالمئة، مدفوعاً بزيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والأرضي، وفي مقدمتها باتريوت. مع استفادة واضحة من استئناف عقود مع زبون في الشرق الأوسط، لم تفصح عن جهته، في الربع الأخير قبل اندلاع الحرب الحالية. 

ذكر ترامب في حسابه على تروث سوشال في 6 آذار 2026 أن استعدادات الشركات لزيادة الطلب سبق الحرب بثلاثة أشهر، وأظهرت بيانات وزارة الخارجية الأمريكية مسار تعاقدات خليجية كثيفة على نفس منظومات الاعتراض التي تستهدفها الزيادة في الإنتاج في كانون الثاني 2026. إذ وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة تذخير للسعودية تشمل سبعمئة وثلاثين صاروخ "باك‑3 إم إس إي" بقيمة تقارب تسعة مليارات دولار، مع حزم قطع غيار وبرمجيات ودعم هندسي. بالتزامن مع استكمال تدريب البطارية الرابعة من ثاد ضمن صفقة سبع بطاريات وثلاثمئة وستين صاروخاً اعتراضياً بدأ تنفيذها منذ 2017. 

بالتوازي مع سباق التذخير هذا، كانت السعودية تعمّق شراكاتها التقنية حول "مظلّة الاعتراض" نفسها. فقد وقّعت وزارة الدفاع السعودية في شباط 2026 اتفاق تعاون جديد مع شركة "إل 3 هاريس" للتقنية الدفاعية يركّز على إدخال قدرات القيادة والسيطرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي للمملكة، مع خطة لتوطين أكبر قدر ممكن من سلسلة القيمة داخل السعودية. وهي خطوة تستهدف تحسين إدارة الاعتراضات وتوسيع المكون المحلي في الصيانة والدعم والتشغيل.

وإلى جانب السعودية وافقت الخارجية الأمريكية في كانون الثاني 2026 على صفقة مماثلة للكويت، تتضمن بيع حزمة دعم واستدامة وبرمجيات لمنظومة باتريوت بقيمة تقديرية تصل إلى ثمانمئة مليون دولار، تشمل قطع غيار وبرامج الفحص والمتابعة وتدريب الأطقم. كذلك شملت الصفقة دعماً هندسياً طويل الأمد يضمن بقاء بطاريات الكويت في أعلى مستويات الجاهزية التشغيلية في السنوات المقبلة، بمشاركة مباشرة من آر تي إكس التي ترتبط أعمالها بكل من والثام في ولاية ماساتشوستس، وهنتسفيل في ولاية ألاباما، وشركة لوكهيد مارتن، التي يقع مقرها في بيثيسدا بولاية ماريلاند. إلى جانب شركة ليدوس، ومقرها ريستون في ولاية فرجينيا، ولها أيضاً نشاط في هنتسفيل بألاباما. وكذلك شركة كي بي آر، التي يقع مقرها في هيوستن بولاية تكساس، ولها حضور في هنتسفيل.

على نفس المنوال، ثبّتت الإمارات موقعها أحد أعمدة الطبقة العليا للدفاع الصاروخي في منطقة الخليج بعقد دعم جديد لمنظومة ثاد. إذ حصلت لوكهيد مارتن مطلع 2026 على تعديل عقد بقيمة 142.6 مليون دولار لتمديد خدمات الاستدامة والتحديث لبطاريتَي ثاد المنتشرتين على أراضيها، ليرتفع إجمالي عقد الدعم إلى نحو 876.7 مليون دولار.

يشمل الاتفاق حزمة واسعة من الخدمات تمتد من الصيانة والإصلاح وتحديث العتاد والبرمجيات إلى التدريب والمراقبة الميدانية. وتُنفَّذ بين مواقع إنتاج رئيسة في كاليفورنيا وتكساس وأركنساس وألاباما، وبين مواقع تشغيل المنظومة داخل الإمارات. ويضمن ذلك بقاء ثاد في قلب شبكة الدفاع الجوي المشتركة التي تُبنى لمواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة.

لكن الصفقة الإماراتية الأبرز جاءت في أتون الحرب مع إيران في 19 آذار 2026، حين وافقت الولايات المتحدة على بيع رادار بعيد المدى مدمج بمنظومة ثاد للإمارات، ضمن حزمة قيمتها تقدر بنحو أربعة مليارات وخمسمئة مليون دولار. وقد شملت الصفقة أيضاً معدات للربط والقيادة والتحكم، إلى جانب خمس سنوات من الدعم الفني والتدريب والصيانة. وبحسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية عن الصفقة، تهدف الحزمة إلى توسيع التغطية الدفاعية للإمارات في جميع الاتجاهات، بما يعزز قدرتها على رصد التهديدات الصاروخية والجوية والتصدي لها.

وللصفقة أهمية إضافية بعدما كشفت صور أقمار صناعية تعرض موقعين راداريين في الإمارات، قرب أبوظبي وفي السدر، لضربات في 1 آذار 2026، ضمن ما لا يقل عن عشرة مواقع رادارية استهدفت دولاً في الخليج. ويعزز ذلك فرضية أن الصفقة لا تستهدف إضافة قدرة جديدة وحسب، بل سد ثغرات محتملة في شبكة الإنذار المبكر وتطويرها في الوقت نفسه.

وبينما كان ترامب يفاخر على تروث سوشيال بأن رؤساء كبرى شركات السلاح تعهّدوا له بمضاعفة إنتاج "الأسلحة الفاخرة" أربع مرات، كان جزء كبير مما يتحدث عنه يتجسّد بالفعل في توسعات على أرض الواقع. فقد أعلنت لوكهيد مارتن في 29 كانون الثاني 2026 وضع حجر الأساس لمركز جديد لتسريع إنتاج الذخائر في كامدن بولاية أركنساس. يضاف لذلك اتفاق لرفع إنتاج صواريخ ثاد من ستة وتسعين صاروخاً إلى أربعمئة صاروخ اعتراضي سنوياً، أي أكثر من أربعة أضعاف المستوى الحالي، ومع خطة استثمارية تكلف مليارات الدولارات لتوسيع الإنتاج وتحديث أكثر من عشرين منشأة. وهذا يدعم أيضاً تسريع إنتاج صاروخ "باك‑3 إم إس إي" باستخدام تقنيات التصنيع المتقدم والآليات والأنظمة الرقمية.

وفي بلدة كامدن في ولاية ألاباما، مضت شركة إل 3 هاريس، في مسار توسعة متدرج تسارع في 2025. وقد شمل ذلك إنشاء منشآت جديدة لإنتاج المحركات الصاروخية الصلبة إلى إطلاق مشروع منشآت أركنساس المتقدمة للدفع الصاروخي لترفع مساحتها التصنيعية إلى أكثر من مليون وخمسمئة ألف قدم مربعة (أي ما يعادل نحو مئة وأربعين ألف متر مربع). وهو ما يعزز الموقع أحد العقد الرئيسة في القاعدة الصناعية الأمريكية للمحركات الصاروخية التي تغذي برامج دفاعية من بينها باتريوت وثاد.

وعن المكونات الدقيقة التي تغذي صواريخ الاعتراض، قالت شركة بوينغ في تشرين الأول 2025 إن استثماراتها في تحديث خطوط الإنتاج وتعزيز شبكة الموردين – مع استكمال توسعة جديدة في هنتسفيل بألاباما – رفعت قدرتها على إنتاج الباحثات الرادارية لصواريخ "باك-3" المستخدمة في باتريوت. وأضافت الشركة أن هذه القفزة جاءت بالتوازي مع عقود متعددة السنوات بقيمة مليارين وسبعمئة مليون دولار لإنتاج ثلاثة آلاف باحث راداري، وبمعدل يصل إلى سبعمئة وخمسين وحدة سنوياً حتى سنة 2030.
وعلى تعقيداتها، تأخذنا حالة الحرب الأخيرة من التوسعات المستقبلية المدفوعة بعقود الشراء السخية إلى سؤال الوضع العملياتي القائم، المرتبط بحجم المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية ومدى قدرته على الصمود في حرب طويلة الأمد.

تُظهِر المقارنة بين صور الأقمار الصناعية من غوغل إيرث وكوبرنيكس استهداف موقع مرتبط بمنظومة ثاد قرب أبوظبي في منطقة الرويس - من تصميم الكاتب

بحسب المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب استهلكت القوات الأمريكية وحلفاؤها في دول الخليج نحو ثمانمئة صاروخ باتريوت اعتراضي. فيما استهلكت أوكرانيا في أشد حملات القصف الروسي شراسة في الفترة من تشرين الثاني 2025 إلى شباط 2026 قرابة سبعمئة صاروخ فقط. وقد حذر كوبيليوس أن "الأمريكيين لن يتمكنوا من توفير ما يكفي من هذه الصواريخ لدول الخليج ولجيشهم ولأوكرانيا أيضاً"، في إشارة إلى حدود القدرة الإنتاجية الحالية حتى مع موجة التوسع الجارية.

ومع السرية التي تحيط بحجم المخزون الأمريكي من صواريخ الاعتراض، إلا أن الأرقام المتاحة ترسم صورة مقلقة. فبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الخامس من كانون الأول 2025، تسلمت الولايات المتحدة 534 صاروخاً من منظومة ثاد حتى نهاية 2025. فيما تشير تقديرات المركز نفسه لاستخدام المنظومة في الهجمات على إيران في حزيران 2025 ما بين مئة صاروخ ومئة وخمسين صاروخاً، أي ما يقارب نحو خُمس هذا الإجمالي. وتزداد خطورة ذلك لأن هذا المخزون لا يتاح كله احتياطاً حراً، بل إن جزءاً منه يكون مخصصاً للبطاريات المنتشرة في الميدان، ما يجعل هامش التعويض السريع أضيق مما توحي به الأرقام وحدها.

أما في منظومة باتريوت، فنقلت وكالة بلومبِرغ الإخبارية عن وثائق أمريكية أن ما اشتراه الجيش من صواريخ "باك-3 إم إس إي" بلغ 2491 صاروخاً حتى 2025. لكن هذا الرقم لم يعد كافياً في نظر المؤسسة العسكرية، إذ رفعت لجنة متطلبات التسليح في نيسان 2025 هدف الاقتناء الكلي لهذا الطراز من 3376 إلى 13773 صاروخاً. ومع ذلك، فإن رفع سقف الاحتياج لا يعني تلقائياً توافر مخصصات مالية أو عقود إنتاج سريعة بالوتيرة نفسها.

ولم يقتصر الأمر على رفع الأهداف المستقبلية، إذ طلب الجيش أيضاً تمويلاً لشراء 224 صاروخاً إضافياً للسنة الضريبية 2026، فضلاً عن ستة وتسعين صاروخاً أخرى أقر تمويلها الرئيس ترامب مطلع تموز 2025. بما يعكس اتساع الفجوة بين وتيرة الاستهلاك والاحتياجات الجديدة من جهة، والقدرة على التعويض السريع من جهة أخرى. وهو أيضاً ما فتح شهية أطراف دولية، منها أوكرانيا، لمحاولة الاستفادة من هذه الفجوة بمخزون الصواريخ الاعتراضية بوسائل بديلة أقل تكلفة. 


سارع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في الأيام الأولى للحرب على إيران إلى عرض المساعدة في مواجهة المسيرات الإيرانية، مستنداً إلى سنوات من الخبرة في التصدي لمسيرات شاهد التي استخدمتها روسيا بكثافة ضد المدن الأوكرانية. فقد أعلن زيلينسكي في أكثر من تصريح أنه مستعد لإرسال "أفضل الخبراء" في إسقاط المسيرات إلى الخليج والشرق الأوسط. بل ولوّح بإمكانية تزويد الحلفاء بطائرات مُعترِضة مُسيّرة طوّرتها بلاده مقابل الحصول على مزيد من صواريخ الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها صواريخ باتريوت.

وعلى ما في المعادلة المقترحة التي تقوم على تصدير الخبرة والأنظمة الأقل كلفة مقابل الصواريخ الاعتراضية الأعلى كلفة من حلول ممكنة، إلا أنها أظهرت حجم العجز الذي تعاني منه أوكرانيا نفسها. إذ أكدت تقارير صحافية، برز منها تقرير لشبكة سي إن إن في الخامس من آذار 2026، أن مخزون أوكرانيا من صواريخ باتريوت يواجه استنزافاً حاداً بعد موجات القصف الروسي الأخيرة، وأن قدرتها على مواصلة صدِّ الهجمات تعتمد مباشرة على وتيرة ما تحصل عليه من ذخائر اعتراضية من الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي تطور للعروض التي قدّمها الرئيس الأوكراني، تحركت أمريكا خارج حدود التصريحات أو المناورات السياسية، وترجمت الحلّ الأوكراني ميدانياً عبر الدفع بمسيرات اعتراضية جديدة إلى ساحة دول الخليج. وبحسب وكالة بلومبيرغ أرسل الجيش الأمريكي نحو عشرة آلاف مسيّرة اعتراضية من طراز "سيرفيور" التابعة إلى منظومة "ميروبس" – التي طُورت واختُبرت في أوكرانيا – إلى الشرق الأوسط في خمسة أيام فقط من بدء العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. في خطوة بدت أنها أظهرت استعجالاً في بناء طبقة دفاع منخفضة الكلفة أمام أسراب المسيّرات الإيرانية.

في هذا السياق، تمثل منظومة "ميروبس" محاولة لكسر المعادلة الاقتصادية المختلّة للحرب، إذ تُقدَّر كلفة الواحدة منها بنحو خمسة عشر ألف دولار، مع توقعات بهبوط كلفتها إلى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار عند شراء كميات كبيرة. وهي أرقام تقل حتى عن كلفة بعض مسيّرات شاهد الإيرانية، وتبتعد كلفةً جداً عن صواريخ باتريوت وثاد التي قد يتجاوز ثمن الاعتراض الواحد بها أربعة ملايين دولار. 

تقوم منظومة "ميروبس" التي طوّرها مشروع "بروجكت إيغل" المدعوم من إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لغوغل، على فكرة استبدال الصواريخ الباهظة بمنصات اعتراضية صغيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتعمل هذه المنصات ضمن منظومة أوسع من الرادارات والمستشعرات والبرمجيات لتتبع المسيّرات الانتحارية والانقضاض عليها أو تفجير شحنة صغيرة قربها.

وبحسب تقارير ميدانية، نقلتها شبكة "يونايتد 24 الإخبارية" في تشرين الثاني 2025، حققت المسيرة "ميروبس" مئات عمليات الإسقاط لمسيّرات شاهد ومشتقاتها في أوكرانيا من تكتيك "درون ضد درون"، مستفيدة من قدرة عالية في التمييز البصري للأهداف والعمل في بيئات تشويش كثيف. فيما تذهب الخطط المستقبلية إلى تعميق دمج المسيّرة في شبكات دفاع جوي أوسع في أوروبا وبعض دول الخليج، وتحديث خوارزمياتها لتغطية طيف أكبر من التهديدات الجوية، من المسيّرات الصغيرة منخفضة الارتفاع إلى الأسرع والأبعد مدى. وهو ما قد يحوّلها تدريجياً إلى طبقة ثابتة في أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وبالتالي تخفيف الضغط عن صواريخ الاعتراض الأعلى كلفة مثل باتريوت وثاد.

ووفقاً لرويترز في تقريرها المنشور في 17 آذار 2026، جذبت المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية، ومنها "ستينغ"، اهتماماً من زبائن في الشرق الأوسط، مع إرسال أوكرانيا ثلاث فرق من مختصي الدفاع الجوي إلى المنطقة.

وأعلن زيلينسكي في نهاية آذار 2026 توقيع اتفاقٍ مع السعودية، وآخرَ مماثلٍ لعشر سنوات مع قطر، فيما يستعد لتوقيع اتفاق إضافي لعشر سنوات مع الإمارات. ونقلت رويترز عن شركة "وايلد هورنتس" المصنعة أن مسيّرتها أسقطت أكثر من ثلاثة آلاف مسيّرة روسية من طراز شاهد منذ دخولها الخدمة المنتظمة في حزيران 2025، مع إنتاج شهري يتجاوز عشرة آلاف وحدة وكلفة تقارب ألفي دولار فقط للمسيّرة الواحدة. ويضيف التقرير أن جيلاً ثانياً أسرع دخل أيضاً مرحلة التطوير لملاحقة النسخ النفاثة الأحدث، فيما يعزز من أهمية المسيّرات طبقة دفاعية أرخص وأكثر مرونة أمام الهجمات الكثيفة.

وبهذا تحول الطرح الأوكراني إلى تعاون بعيد المدى مع بعض دول الخليج، ما يجعل من تقنيات الاعتراض الأقل كلفةً ومن الخبراء الأوكرانيين والإنتاج المشترك، جزءاً من إعادة تشكيل طبقات الدفاع الجوي. يحدث هذا في وقت يتزايد فيه الضغط على المخزون الأمريكي من منظومات الاعتراض الأعلى كلفة. 


جوهر المعادلة لم يتغير كثيراً، من اللحظة التي خرج فيها رونالد ريغان على الأمريكيين في ثمانينيات القرن الماضي بوعد "حرب النجوم" القائم على إبطال مفعول الصواريخ السوفيتيية بالتقنية، حتى لحظة انطلاق أسراب "ميروبس" الأقل كلفة نسبياً فوق سماوات بعض دول الخليج سنة 2026 لإسقاط مسيّرات شاهد. فالأمن يُسوَّق غالباً درعاً واقياً، والحروب تتحوّل إلى حقول تجارب لأجيال متعاقبة من المنظومات، بينما تواصل القاعدة الصناعية المالية مراكمة أرباحها كلما اتّسعت فجوة الكلفة بين الهجوم والاعتراض.

وفي هذا المسار الطويل، لم تكن باتريوت وثاد وأخيراً ميروبس مجرد أدوات عسكرية وتقنية، بل حلقات في سلسلة واحدة تربط بين عقيدة الردع وعقود التسليح وأسعار الأسهم في سوق وول ستريت. سلسلة تجعل من كل صاروخ يعبر ومن كل مسيّرة تنفجر جزءاً من ميزان أرباح وخسائر يتجاوز ساحات المعارك إلى اقتصاد الحرب الأمريكي.

عبد الحليم حفينة - مجلة الفراتس

كيف صمدت إيران أمام الهجوم الأمريكي– الإسرائيلي؟

كيف صمدت إيران أمام الهجوم الأمريكي– الإسرائيلي؟

قراءة أولية للاستراتيجية الدفاعية

تكشف وقائع الحرب التي اندلعت في 28 شباط 2026 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن نمط صراع يتجاوز فكرة الحسم العسكري التقليدي. فبينما تشير التقديرات إلى أن الضربات الجوية والبحرية قد دمّرت ما بين 80% إلى 90% من البنية التحتية الصاروخية والبحرية الإيرانية، وألحقت أضرارًا واسعة بمنظومات الدفاع الجوي ومخازن التسليح، فإن إيران لم تنزلق إلى الانهيار المتوقع، والذي كان يبدو منطقيًا ومرجحًا بالحسابات التقليدية.

لكن على عكس ذلك، فإن النتائج الميدانية لم تتطابق مع الحسابات الأولية للتصعيد العسكري، وتُظهر المعطيات أن طهران أعادت تعريف مفهوم الدفاع والهجوم بقدر من المرونة وتوظيف الأدوات المتاحة، رغم فارق القوة الهائل، ليظهر نموذج للصمود العسكري وقوة الردع رغم ضعف الإمكانيات، وبروز هدف أمريكي بهزيمة ساحقة لإيران وإسقاط النظام، والقيام في سبيل ذلك بهجمات على 2000 هدف، شملت منشآت نووية، وقواعد صواريخ، ومراكز قيادة في أول أسبوع في الحرب.

وفيما يلي قراءة أولية للتكتيكات الدفاعية والأساليب القتالية، وأدوات التأثير، بما في ذلك نموذج إدارة القوات والردع متعدد الأبعاد، وتوزيع القوة، وأسلوب الإدارة عبر تشتيت مراكز القرار، وتحويل الحرب إلى شبكة ممتدة المستويات وموزعة عسكريًا واقتصاديًا، فضلًا عن مستوى الدعاية والتحركات الدبلوماسية وصناعة الصورة التي كانت ضمن أسباب إدانة العدوان.

منظومة الدفاع المتعددة ذات الاستقلالية
برز ضمن الاستراتيجية الدفاعية أسلوب الإدارة والتحرك القائم على شبكات، أقرب إلى نمط غير مركزي، يقوم على تفكيك مركزية القيادة العسكرية لصالح بنية موزعة.

تعتمد إيران على شبكة قيادات إقليمية تابعة للحرس الثوري موزعة على مستوى المحافظات (31 محافظة)، تعمل ضمن درجة من اللا مركزية التشغيلية تسمح باستمرار العمليات حتى عند تعطّل مستويات القيادة المركزية، وتحسبا لسقوط العاصمة طهران. هذا يوضح تعريف لمفهوم القيادة العسكرية في زمن الحرب، في توازي مع بدائل ومجلس سياسي يدير البلاد حال اغتيال القيادة.

هذا النموذج أثبت فعاليته بشكل خاص بعد ضربات شباط 2026 التي استهدفت قيادات عسكرية عليا، إذ لم تؤدِّ عمليات الاستهداف إلى شلل القيادة، بل استمرت الوحدات المحلية في تنفيذ عمليات محسوبة ومنسقة، بما يشير إلى أن “سلسلة القيادة التقليدية” لم تعد عنصرًا حاسمًا في إدارة الحرب الإيرانية، ومعها يسقط الرهان بأن اغتيال أحد القيادات يعني شل عمل الوحدات والكتائب.

هذا يعني عمليًا إعادة هندسة لمفهوم القيادة والتوجيه، ويهدف إلى الحفاظ على قدرة القوات على الاستمرار حتى في غياب المستوى القيادي.

وهو ما يتضح في عدة مؤشرات، منها استمرار العمليات الهجومية بعد استهداف القيادات العليا للجيش والحرس الثوري، وسرعة إعادة تشكيل القيادة لتعويض المراكز الخالية، ما يعني وجود نظم اتصال سريعة في ذات الوقت أو خطط معدة مسبقًا ضمن تسلسل القيادة وعملية الإحلال الطارئ، وهذا شمل قيادة الحرس الثوري والمخابرات.

وشملت الضربات منذ بداية الحرب قيادات، بينها رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده، إضافة إلى شخصيات أمنية ومؤسساتية أخرى ضمن بنية القرار العسكري.

الجغرافيا كسلاح: الهضبة والممرات والجبال

إلى جانب إعادة هيكلة القيادة، لعبت الجغرافيا الإيرانية دورًا محوريًا في تعزيز القدرة على الصمود، فالتضاريس الجبلية المعقدة، خصوصًا سلاسل زاجروس وألبرز، وفرت لإيران ما يشبه “درعًا طبيعيًا” يحدّ من فاعلية التفوق الجوي، ويجبر أي قوة مهاجمة تريد الاستيلاء على الحكم أو تغييره على التفكير في كيفية خوض عمليات برية في ممرات ضيقة عالية الخطورة، وتعد كمائن طبيعية وبيئة قتالية صعبة دون مشاة.

هذه الطبيعة التقت مع التنبه إلى المخاطر وكيفية توظيفها كحصن طبيعي، حيث وظفت طهران طبيعة الهضبة المركزية لإنشاء شبكات أنفاق عسكرية متقدمة، ومجمعات ومواقع إطلاق صواريخ محصنة ضد القصف العميق، وتسمح بإعادة التموضع السريع. وحتى مع اكتشاف بعضها، فإن تدميرها وشل فاعليتها لا تكفي له الطائرات، وسيبقى جزء منها يعمل بشكل جزئي، هذا إذا وُجدت خرائط كاملة لهذه التحصينات.

وضمن الجغرافيا، وعلى المستوى الاستراتيجي الأعم والأكثر تأثيرًا عالميًا، فإن السيطرة على مضيق هرمز تحولت إلى أداة ضغط عالمي، إذ كان التلويح بالإغلاق ثم تنفيذ التهديد، يعني تعطيل ممر يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، ما يجعل أي تصعيد عسكري مرتبطًا مباشرة باستقرار أسواق الطاقة الدولية، ومواقف المنتجين والموردين والمستوردين، بل ومستقبل الاقتصاد العالمي.

وكان يمكن أن يُرى المضيق كنقطة ضعف عسكري، تحتاج تحصينًا ودفاعات لصد الهجوم، لكنه استُخدم بذاته كنقطة هجوم اقتصادي وعسكري، وكان حاسمًا وما زال، سواء في عملية الردع أو في مفاوضات تراوح مكانها بشأن مستقبله وكيفية إدارته ومرور السفن حال انتهاء الحرب والوصول إلى تسوية.

محور المقاومة: شبكة متصلة تتحرك ذاتيا
نظرًا للضغوط على إيران، تحولت العلاقة مع حلفائها من دون الدول من نموذج القيادة الهرمية إلى ما يشبه الشبكة العصبية: تفاهمات وتحرك مشترك ضمن الأطر المتفق عليها، مع قدرة على الاستجابة الذاتية لكل جبهة.

وحتى توفير السلاح، جرى تعديل أساليبه للتغلب على الرصد والمراقبة وأساطيل السفن، واستخدمت طرق التجميع المحلي عبر نقل مكونات السلاح، ويجري تركيبها في ساحات العمليات داخل اليمن ولبنان باستخدام تقنيات تصنيع.

وفي الوقت نفسه، تتخذ نمط إدارة احتياطي؛ حال انقطاع الاتصال بالمركز أو القيادة، تنتقل الوحدات والكتائب إلى تنفيذ سيناريوهات هجومية مسبقة، وهو ما جعل استراتيجية “قطع الرأس” الأمريكية والإسرائيلية والاغتيالات أقل فاعلية في شل هذه المنظومات، كما في نموذج حزب الله، والذي تصور الجميع أن أسلحته وقيادته غير قادرة على الدخول في مواجهة مع إسرائيل.

التحول البحري: من الأساطيل الثقيلة إلى حرب الاستنزاف
أصيب السلاح البحري الإيراني ووحداته بخسائر كبيرة، فقد فقدت البلاد وحدات بحرية رئيسية، بينها منصات متقدمة وناقلات مسيّرات، لكن وبحكم الحصار فإن سلاح البحرية لم يكن عالي التقنية وقويًا، ومع خسارة أغلب القطع الكبيرة، اعتمدت إيران على أسراب من القوارب السريعة الرخيصة المسلحة بصواريخ قصيرة المدى، تعمل في هجمات متزامنة لإرباك الدفاعات البحرية المتقدمة، ورغم بساطة هذه الأسلحة إلا أنها قادرة على إحداث خسائر، فضلًا عن المناورة والهرب وسهولة الاختباء والتخزين.

إلى جانب ذلك، طورت إيران استخدام الألغام الذكية القادرة على البقاء خاملة تحت الماء لفترات طويلة والتفاعل مع البصمات الصوتية للسفن المعادية، إضافة إلى قوارب شبه غاطسة، يصعب رصدها، وهو ما يزيد الارتباك بشأن مرور ناقلات حربية أو سفن، قد تواجه قاربًا انتحاريًا، يحدث فيها إصابات مكلفة في دقائق محدودة.

من هذه النقطة كان عمل البحرية ذات الإمكانيات البسيطة يتمثل في رفع تكلفة الحركة البحرية للخصم، وجعل اتخاذ قرار الهجوم خاضعًا للتردد بناءً على حالة عدم اليقين.

الصواريخ والدرونات: الضرب ثم الاختفاء وإعادة الترميم
في البر لا تزال الصواريخ الباليستية والدرونات الانتحارية مثل “شاهد- 136 و238” تمثل العمود الفقري للقدرة الإيرانية على الردع، واستخدم تكتيك “الضرب والفرار”، حيث تنطلق منصات متحركة من الجبال؛ لتنفيذ ضربات سريعة، ثم تعود للاختباء محاولة تجاوز الرصد عبر الأقمار الصناعية.

وتشير تقديرات إلى أن بعض المواقع التي استُهدفت لم يُقض على ما فيها من مخزون أسلحة، كما جرى ترميم بعض ما أُصيب من أجهزة دفاع جوي.

ورغم الحصار، إلا أن إيران استفادت من تطوير تقنية الاستهداف وزيادة الدقة؛ لتحقيق الأهداف الهجومية وتعزيز الردع أحيانًا، برسالة القدرة على الوصول بدقة حتى مع توخي إحداث ضرر جسيم، وهو ما يظهر في نمط بعض الهجمات على دول الخليج، في رسالة مفادها: نستطيع الوصول إلى الأهداف، لكن لا نسعى إلى التدمير، وهو ما جعل الاتجاه نحو الانخراط في الحرب ضد إيران من دول الخليج له ألف حساب.

هذا بجانب قدرة إيران في عشرات المرات على تجاوز أنظمة دفاع جوي متقدمة مثل القبة الحديدية والباتريوت في إسرائيل.

الحرب السيبرانية والدعم والتعاون مع الشركاء
على مستوى موازٍ، تحولت الحرب السيبرانية إلى ساحة اشتباك، وشنت مجموعات عددًا من العمليات التي استهدفت بنى مدنية حساسة ضمن حسابات الردع، إلى جانب تقنيات أخرى، شملت محاولات التشويش على حركة الملاحة البحرية لمئات السفن خلال ساعات قليلة، وأحدثت حالة من الفوضى في الممرات الحيوية.

وحتى ومع بُعد روسيا والصين عن الانخراط بشكل مباشر، وبدور مرئي، لكن في مواجهة التفوق الغربي تلقت إيران دعمًا تكنولوجيًا من البلدين، بما في ذلك ما هو أقدم من الحرب، ويخص الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد للطائرات الأمريكية المتقدمة، ودعم نظم الملاحة الذي يساهم في دقة الاستهداف وكشف المواقع، بالتزامن مع تبادل معلومات استخباراتية ترتبط بالأهداف والمواقع والثغرات.

وهناك تقارير عن تزويد روسيا لإيران بأنظمة S -400 ورادارات لرصد طائرات التخفي مثل F -35ودعم صيني لأنظمة اتصال وتوجيه.

من الحرب إلى الاستنزاف طويل الأمد
إجمالًا، يمكن القول إن إيران رفعت التكلفة على المعتدين، إسرائيل وأمريكا، وأن الحسابات لديها لم تكن بمنطق تقليدي (انتصار مقابل هزيمة)، وسعت لتحقيق الصمود في معركة طويلة، دون أن يسقط نظامها، مع اتباع أسلوب الاستنزاف طويل الأمد الذي يحد من استمرار العدوان.

ورغم الخسائر التي لا يُستهان بها، فإن ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل واسعة النطاق، لم تقضِ على البنية العسكرية الإيرانية ولم تُفكك بالكامل، كما كان مخططًا لها في تصور يماثل نموذج العراق، واستطاع الإيرانيون عبر أساليب متعددة، وشبكة إدارة غير مركزية، وتوظيف الجغرافيا، البقاء وتحقيق قدر من الردع أيضًا، بما يجعل استكمال الحرب بعد الهدنة المؤقتة خيارًا، ليس سهلًا على واشنطن.

مصر 360

انعكاسات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران على مستقبل المكانة الإقليمية الإيرانية 

انعكاسات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران على مستقبل المكانة الإقليمية الإيرانية 

مقدمة: 

في 13/6/2025، شرعت “إسرائيل” بهجوم عسكري على أهداف إيرانية، خصوصاً المنشآت النووية وبعض الوحدات العسكرية التابعة للحرس الثوري والجيش الإيراني. وتمكنت “إسرائيل” في الأيام الأولى من اغتيال عدد من القادة العسكريين، وعدد آخر من نخبة علماء المجال النووي في إيران. وفي يوم 22/6/2025، شاركت الولايات المتحدة في الهجوم على ثلاثة مرافق نووية إيرانية (فوردو Fordow، وناتنز Natanz، وأصفهان Isfahan). ثم تمّ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الأطراف بعد يومين من المشاركة الأمريكية.

وادَّعت الأطراف المتصارعة تحقيق انتصارات في تلك المواجهة، واتّجه التقييم الأمريكي، من خلال الرئيس دونالد ترامب Donald Trump وبعض العسكريين الأمريكيين، إلى القول بأنّ المشروع النووي الإيراني قد “تمّ تدميره”.[2] وادَّعت “إسرائيل” أن الخسائر الإيرانية كانت كبيرة في برامجها النووية، وفي دفاعاتها الجوية، ومصانع صواريخها، وفي نخبتها العلمية.[3] بينما ادَّعت إيران، على لسان مرشدها الأعلى علي خامنئي Ali Khamenei، والعديد من قادتها العسكريين، أنّ إيران انتصرت على خصومها، وأن الخسائر الإسرائيلية أكبر مما يتم الاعتراف به، خصوصاً الضربات التي وُجّهت إلى مناطق في تل أبيب، وبعض المؤسسات الأمنية، والمرافق العلمية مثل معهد وايزمن Weizmann Institute وجامعة بن جوريون Ben-Gurion University ، ومصافي البترول في حيفا، ومقار بعض الأجهزة الأمنية الإسرائيلية،[4] وهو ما توالى الاعتراف الإسرائيلي به بعد أيام من المواجهة. [5]

فرضت هذه المواجهة عدّة أسئلة نسعى للإجابة عليها من خلال التركيز على التقييمات التي نشرتها مراكز الدراسات “غير العربية”، ومحاولة استخلاص الأسباب والنتائج والتداعيات المستقبلية لهذه المواجهة على المكانة الإقليمية لإيران. وقد سعينا لتنويع هذه المراكز من أمريكا وأوروبا وآسيا، مع اختيار المراكز التي تناول كلٌّ منها بُعداً متميّزاً في المواجهة موضوع الدراسة، ثم حاولنا تحديد نقاط التوافق والتباين بين هذه المراكز للتعرّف على التداعيات المستقبلية لما جرى.

ومن الضروري أن نحدّد في هذه المقدّمة مفهوم “المكانة الإقليمية” لأيّ دولة، وتحديداً مفهوم “الدولة المركز للإقليم Core Country”، إذ يُعرّف الاتحاد الأوروبي للأبحاث السياسية European Consortium for Political Research القوة الإقليمية بأنّها “دولة تنتمي إلى منطقة جغرافية محددة، تُهيمن على هذه المنطقة اقتصاديّاً وعسكريّاً، وقادرة على مآذارة نفوذها في المنطقة، ومعترف بها أو حتى مقبولة كقائدة إقليمية من قِبل جيرانها”. بينما يعرّفها المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية German Institute of Global and Area Studies (GIGA) بأنّها الدولة القادرة على أن تآذار تأثيراً حاسماً على الامتداد الجغرافي لإقليمها، وعلى بنيته الأيديولوجية وأجندته الأمنية، من خلال التفوّق في القدرات، ويُقرّ لها أعضاء الإقليم والقوى الدولية بهذا الدور.[6] ومعلوم أنّ إيران وضعت سنة 2005 خطة استراتيجية لجعلها دولة مركزية إقليمية، خصوصاً لإقليم غرب آسيا الذي يمثّل الشرق الأوسط الجزء الأساسي منه.[7]

أولاً: أسباب ونتائج الهجمات الأمريكية الإسرائيلية:

من المعلوم أنّ العلاقات الإيرانية مع كلٍّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية هي علاقة صراعية منذ سنة 1979، كما أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية هي علاقة استراتيجية تقوم على إحباط السعي الإيراني لأن تكون إيران “مركز الإقليم”، كما ورد في الخطة الإيرانية. وهو ما يعني أنّ الهجوم الأخير على إيران ليس إلّا حلقة من حلقات هذا الصراع.

ولمنع إيران من تحقيق خطتها، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” ثلاثة أهداف، هي:

1. تغيير النظام السياسي في إيران.

2. منع إيران من إنجاز برنامجها النووي.

3. إفشال المساعي الإيرانية لتكون الدولة المركز في الإقليم.

ذلك يعني أنّ الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي في سنة 2025 على إيران كان يسعى لتحقيق هذه الأهداف أو بعضها على أقل تقدير. فهل كانت النتائج متوافقة مع الأهداف؟

هذا ما سنحاول تقييمه من خلال عرض تقييمات أكاديمية مختلفة للنتائج، لنعمل على بناء تصوّر مستقبلي للمكانة الإقليمية الإيرانية، استناداً إلى ما توافقت عليه أغلب هذه التقييمات.

ثانياً: التقييم الأمريكي للنتائج:

في تقييمٍ لنتائج الهجوم الأمريكي الإسرائيلي وتداعياته المستقبلية، يرى مركز كارنيجي الأمريكي Carnegie Endowment for International Peace ا[8] ضرورة التمييز بين بُعدين في المواجهة الأخيرة، هما: تدمير البنية التحتية من ناحية، وتدمير القدرات من ناحية ثانية للبرنامج النووي الإيراني. فالعمل العسكري يمكنه تدمير المعدات والمنشآت، لكن ذلك لا يمتد إلى القضاء على المعرفة أو المرافق الموزعة على نطاق واسع، خصوصاً في دولة تتجاوز مساحتها نحو 1.648 مليون كم2، أو إلغاء الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء تطوير الأسلحة النووية. ويبدو أن إيران، وطبقاً لتواتر تقارير مختلفة، تمكّنت من نقل موادها الأكثر حساسية (يجري الحديث عن مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم المُخصّب) قبل الضربات، وهو ما يعني حماية جوهر برنامجها للتخصيب من ناحية، كما أنّ وجود المخابئ السليمة لبعض آلاتها المركزية في المشروع قد يُشكّل نقطة انطلاق لإعادة بناء برنامجها من ناحية أخرى.[9] ويُقدّر تقرير مركز كارنيجي، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخبارية، نتائج الضربات على النحو الآتي:

1. أنّ الضربات على فوردو وناتنز اخترقت المنشآت السطحية وسدّت منافذ رئيسية تحت الأرض. وتكشف هذه الصور لموقع فوردو ستّ حُفر واضحة فوق قاعات أجهزة الطرد المركزي المدفونة، ومن المرجّح أن القنابل الخارقة جي بي يو-57 أو GBU-57، نفذت عبر الصخور إلى قاعات أجهزة الطرد المركزي وغيرها من المناطق الحساسة قبل أن تنفجر، ممّا قد يتسبّب في أضرار جوفية أوسع بكثير ممّا يمكن أن تكشفه الصور السطحية.

2. أمّا في ناتنز، التي تعرّضت بالفعل لهجمات صاروخية إسرائيلية، فقد عانت من دمار إضافي، حيث من المرجّح أنّ الضربات الأمريكية اخترقت مباشرة سلاسل أجهزة الطرد المركزي المتبقية ومناطق البنية التحتية الحيوية. وحتى قبل الضربة الأمريكية، عانت ناتنز من تدمير كامل لبنيتها التحتية الكهربائية، حيث دُمّرت محطات فرعية رئيسية، ومولّدات طوارئ، ومصادر طاقة، مما جعل سلاسل أجهزة الطرد المركزي المتبقية غير صالحة للعمل.

3. في أصفهان، يبدو أن الضرر السطحي الواسع النطاق الظاهر في صور الأقمار الصناعية يُعزى في المقام الأول إلى ضربات إسرائيلية سابقة، قضت على منشأة إنتاج سادس فلوريد اليورانيوم uranium hexafluoride الرئيسية في إيران، وقدرات إنتاج معدن اليورانيوم uranium. بينما استهدفت صواريخ توماهوك Tomahawk الأمريكية ما تبقّى من المجمّع، بما في ذلك مداخل منشآت تخزين اليورانيوم عالي التخصيب تحت الأرض، على الرغم من احتمال أنّ إيران ربما نقلت هذه المواد الحساسة.[10]

وفي تقييم آثار ذلك، يرى تقرير المركز الأمريكي أنّ هذا التدمير المادي للبنية التحتية النووية يُعيق البرنامج الإيراني، لكنه لا يصل إلى نقطة اللا عودة، خصوصاً أنّ مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية International Atomic Energy Agency (IAEA) تحقّقوا آخر مرة من مخزونات المواد النووية الإيرانية قبل أيام قليلة من بدء الضربات الإسرائيلية في 13/6/2025، مما يُثير احتمال أن تكون السلطات الإيرانية قد نقلت بشكل استباقي مخزونات رئيسية من اليورانيوم عالي التخصيب من المنشآت المُعلنة إلى مواقع غير مُعلنة. وهو استنتاج مبني على صور الأقمار الصناعية ليومي 19 و20/6/2025، والتي تظهر فيها شاحنات وجرافات قرب مداخل أنفاق فوردو، وهو ما تمّ تفسيره كدليل على أنّه لجلب التراب لإغلاق بوابات الأنفاق بدلاً من نقل المحتويات من ناحية، كما أنّ وجود شاحنات أخرى مجهولة الهوية يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال نقل المواد من ناحية أخرى.

ويُقدّر التقرير الأمريكي أن نحو 15 ألف جهاز طرد مركزي في ناتنز قد أصبح مُعطّلاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ، حيث أكّدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود ثُقبين ناتجين عن اصطدام صاروخي فوق قاعات التخصيب المقامة تحت الأرض، مما أدّى، على الأرجح، إلى تلوّث إشعاعي موضعي ومخاطر كيميائية. وهو ما يشير إلى أنّ حجم الضرر قد يحول دون إعادة تشغيل هذه المواقع المتضررة بشدة، ويرجّح التقرير أنّ بناء منشآت جديدة كلياً هو الخيار الأرجح، بدلاً من مجرد حفر الأنفاق وإصلاح ما تدمّر.

أمّا الضرر الذي أصاب البنية التحتية لتحويل اليورانيوم في أصفهان، فإنّ المدى الزمني المطلوب لإعادة الإعمار ما يزال قيد التقييم. وقد استند المعهد الأمريكي إلى تقارير أخرى تُفيد بتدمير وحدة، ما تزال قيد الإنشاء، لمعالجة معدن اليورانيوم المُخصّب، والذي يُعدّ على نطاق واسع عنصراً أساسياً في التسلّح النووي. لكن التقرير الأمريكي يرى أنّ عمليات تحويل معدن اليورانيوم الأساسية هي عمليات كيميائية بسيطة نسبياً، ويمكن، من حيث المبدأ، إعادة بنائها بالتوازي مع استعادة التخصيب، مما يحدّ من التأخيرات طويلة الأمد في برنامج أسلحة محتمل.

أما القدرة الايرانية على استئناف برنامجها النووي، فيُشير التقرير إلى عدد من المؤشرات التي ترجّح الإمكانية الإيرانية للاستئناف، وهي:

1. المخزون الكافي لدى إيران من اليورانيوم المُخصّب بمعدل 60%.

2. مخزون إيران من مكوّنات أجهزة الطرد المركزي غير المُركّبة، فقد صنّعت إيران أجهزة طرد مركزي متطوّرة لسنوات لم تخضع لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ انهيار الاتفاق النووي في أيار/ أيار 2018، وهو ما يُمثّل احتياطياً يُسهم في سرعة استئناف البرنامج النووي.

3. على الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآت أبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي المُقامة فوق الأرض في ثلاثة مواقع (كرج Karaj، ومركز طهران للأبحاث Tehran Research Center، وناتنز)، فإنّ البنية التحتية لأجهزة الطرد المركزي المُقامة تحت الأرض ما تزال، على الأرجح، تعمل.

4. لم تُلغِ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية العناصر الأساسية التي دعمت المسار النووي الإيراني، وأهمها:

أ‌. بنية تحتية واسعة وموزعة.

ب‌. قاعدة كوادر فنية واسعة.

ج. سلاسل إمداد محلية واسعة.

د. إرادة سياسية واضحة لإنجاز الهدف النووي (البرنامج السلمي المُعلَن). وتعزيزاً لذلك، فقد جرى إضفاء الطابع الرسمي على تحوّل إيران نحو موقف نووي متشدّد، من خلال أدوات قانونية وسياسية مُصمّمة لقطع الرقابة وفرض سيطرة وطنية كاملة. ففي 25/6/2025، أقرّ البرلمان الإيراني، بأغلبية ساحقة، قانوناً يُعلّق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشترطاً موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي على دخول المفتشين في المستقبل. وأوضح عضو هيئة رئاسة البرلمان، علي رضا سليمي Alireza Salimi، أنّ مشروع القانون يحظر دخول مفتشي الوكالة “ما لم يُضمَن أمن المنشآت النووية والأنشطة النووية السلمية للبلاد”، ويفرض عقوبات على أيّ فرد يُسهّل عمليات التفتيش غير المصرّح بها. وتشير نتائج التصويت في مجلس الشورى الإيراني إلى مساندة قوية، تتجلى في تأييد 210 أصوات، وامتناع اثنين فقط عن التصويت. وقد تلا ذلك قرار بوقف السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمواصلة التفتيش، دون الانسحاب الإيراني من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ولكن مع التهديد بذلك، إلى جانب موافقة مجلس الوصاية الإيراني على موقف مجلس الشورى، ثم قرار الوكالة بسحب مفتشيها.[11]

5. إنّ غياب إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المراقبة، يمنح إيران مساحة عملياتية كافية لمواصلة جهود إعادة الإعمار السرّية، بينما يفقد المجتمع الدولي رقابة حاسمة على الأنشطة النووية الإيرانية.

6. مستقبل البرنامج النووي الإيراني: يُحدّد التقرير الأمريكي مستقبل البرنامج استناداً إلى مجموعة من المحددات، هي:

أ‌. مدى الضرر الذي أصاب البنية الرئيسية للبرنامج، وهو أمر ما يزال غير واضح، وإن كانت التقديرات، كما سنرى، في أغلب التوجّهات تُقدّر الضرر بأنه أكبر ممّا تتظاهر به إيران، لكنه أقل مما ادّعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu.

ب. تقييم إيران للتهديدات العسكرية المستمرة، خصوصاً ضدّ الدولة والنظام والبرنامج ذاته؛ فكلما زادت المخاطر في التقدير الإيراني، يكون الاندفاع نحو استعادة البرنامج النووي أقوى وأسرع، ويبدو أن التهديدات ما تزال عالية.

ج. الموارد المتاحة لإيران، وهي مسألة يبدو أنّ المرحلة السابقة تشير إلى أنّ إيران قادرة على تجاوز تعقيدات الحصار عليها بنسبة كافية.

د. إنّ أي خطوات ملموسة نحو إعادة البناء، أو تقليص إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستُرجّح احتمال عودة “إسرائيل”، أو الولايات المتحدة، إلى تنفيذ ضربات استباقية، مما يُعزز فرضية عدم استقرار الوضع الإقليمي في المدى المنظور.

وفي تقرير أمريكي ثانٍ أعدّه معهد دراسة الحرب الأمريكي Institute for the Study of War (ISW)، تمّ التركيز على أربعة جوانب، هي: [12]

1. مدى تضرر البرنامج النووي الإيراني من الضربات الإسرائيلية والأمريكية:

يعتمد التقرير في تناوله لمدى الضرر في البرنامج النووي الإيراني على عدد من المصادر، منها الوثيقة الصادرة عن وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية Defense Intelligence Agency، التي قدّرت أنّ أضراراً جسيمة لحقت بمحطة فوردو، لكنّ القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات، التي سدّت مداخل موقعين نوويين، فشلت في هدم مبانيهما الواقعة تحت الأرض.

أما معهد العلوم والأمن الدولي The Institute for Science and International Security (ISIS)، وهو مركز أبحاث لمنع الانتشار النووي، ومعروف باعتنائه بمتابعة البرنامج النووي الإيراني لفترة طويلة، فقد رجّح بشدّة أن تكون الضربات قد دمّرت أو أتلفت معظم أجهزة الطرد المركزي في فوردو، استناداً إلى مواقع التأثير وتأثيرات موجات الانفجار.

وفي المقابل، قدّرت لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية Israel Atomic Energy Commission أنّ الضربة الأمريكية على فوردو دمّرت البنية التحتية الحيوية للموقع، و”جعلت منشأة التخصيب غير صالحة للعمل”.

ويُضيف معهد دراسة الحرب إلى تلك التقارير عرضاً لتسريبات استخبارية وتقديرات من خبراء نوويين، تشير إلى أنّ الضربة الأمريكية أدّت إلى تدمير نحو 20 ألف جهاز طرد مركزي في كلٍّ من فوردو وناتنز، وأنّ القادة العسكريين الإيرانيين قدّموا تقارير مضلّلة إلى قياداتهم السياسية بشأن مدى الأضرار.

ويميل معهد العلوم والأمن الدولي، في تقريره، إلى أنّ إيران نقلت قدراً من اليورانيوم المُخصّب قبل التعرّض للهجوم، لكنّ تخصيب اليورانيوم إلى درجة 60% و90% سيشهد تباطؤاً، خصوصاً أنّ لدى إيران مخزوناً من اليورانيوم المُخصّب بدرجات 3%، و5%، و20%، و60%.

2‌. دلالات التوقّف عن التعاون الإيراني مع وكالة الطاقة الذرية الدولية:

كرّر المسؤولون الإيرانيون الحديث عن انسحاب إيران من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، واحتمال تعليق عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفيما بعد، صادق مجلس الشورى الإيراني على القرار بتعليق التعاون، وتبنّته الحكومة. ويرى المعهد أنّ بعض هذه المواقف الإيرانية سبق أن هدّدت بها إيران في مناسبات سابقة. وتشير تقارير الوكالة الدولية إلى أن مستوى التعاون الإيراني مع الوكالة “غير مُرضٍ” بالقدر الكافي.

3. مدى استقرار النظام السياسي بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي:

يشير المعهد إلى أنّ إجراءات النظام الإيراني بخصوص هذا الموضوع تركّزت على ثلاثة أبعاد هي: المناطق الكردية في الشمال الغربي من إيران بشكل أساسي، ونشر قوات على الحدود مع كل من باكستان والعراق وأذربيجان، خوفاً من تسلّل جماعات عسكرية إلى الأراضي الإيرانية، وسلسلة عمليات الاغتيال للقادة العسكريين والعلماء البارزين في الحقل النووي، التي نبّهت النظام الإيراني إلى المخاطر الداخلية، وهو ما دفعه لاعتقال المئات ومصادرة ورشات إنتاج معدات حربية.

4. دور العلاقات الإيرانية الدولية:

يُقدّر المعهد أن رضا إيران عن علاقاتها مع روسيا أقل من درجة رضاها عن علاقاتها مع الصين، إذ يبدو أنّ الدعم الروسي المأمول من قِبَل إيران لم يرقَ إلى مستوى ذلك الأمل، بينما يبدو أنّ الصين أكثر مساندة. فقد وصل وزير الدفاع الإيراني، عزيز ناصر زاده Aziz Nasirzadeh، إلى جمهورية الصين الشعبية في 25/6/2025، في أول زيارة خارجية له منذ أن بدأت “إسرائيل” حملتها الجوية على إيران. وقد شارك ناصر زاده في اجتماعٍ لوزراء دفاع دول منظمة شنجهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (SCO)، استمرّ يومين في مدينة تشينغداو.

ويميل التقرير إلى أنّ الغاية من الزيارة هي الاستعانة بالصين لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية والاقتصادية التي تضرّرت من الحرب، لا سيّما أنّ الصين الشعبية تُقدّم لإيران منتجات عسكرية أو منتجات ذات استخدام مزدوج، كما تُسهم في شحن المواد الأولية اللازمة لدعم تجديد مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تعمل بالوقود الصلب.

كذلك تُعدّ الصين شريان حياة اقتصادياً بالغ الأهمية لإيران من خلال شرائها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية. ومن المرجّح أن يكون المسؤولون الإيرانيون حريصين على تأمين شراكة اقتصادية مع جمهورية الصين الشعبية في أعقاب الضربات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة.

ثالثاً: المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية:

ركّز المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية French Institute of International Relations (Ifri) تحليله على بُعدين، هما:[13]

1. المعارضة الإيرانية وآفاق عملها المستقبلي:

تركّز تحليل المركز الفرنسي للعلاقات الدولية على ضعف احتمالات عودة النظام الملكي (الشاهنشاهي) تحديداً إلى إيران، ورأى أنّ ولي العهد الإيراني السابق، رضا بهلوي Reza Pahlavi (ابن شاه إيران)، هو أبرز قيادات هذا التيار. لكنّ خلاصة تقرير المركز تصل إلى نتيجة محدّدة، وهي أنّ تفكّك المعارضة الإيرانية، ومحدودية صلة رضا بهلوي بالمعارضة الداخلية في إيران، إضافة إلى أنّ خطابه السياسي يعتمد على مداعبة مشاعر الحالمين بالعودة إلى الحكم المدني أو العلماني كما كان عليه الحال في زمن والده، كلها عوامل لا تُشير إلى نجاح قريب للمعارضة.

2. العلاقات الإيرانية الأذرية:

يرجّح المركز احتمالات تجدّد النزاع الإيراني مع أذربيجان، ويستند هذا الترجيح إلى الخلافات التاريخية حول الأقلية الأذرية في إيران، والتي تُشكّل نحو 16% من السكان، إضافة إلى الموقف الإيراني المُسانِد لأرمينيا في الصراع الأرمني الأذري. كما أنّ العلاقات الإسرائيلية المتطوّرة مع أذربيجان تُشكّل نقطة قلق كبيرة لإيران.[14]

رابعاً: موقع “تفكير الصين” ThinkChina:

ترى إحدى دراسات الموقع السنغافوري موقع “تفكير الصين” ThinkChina، المتخصص في الشأن الصيني، والذي يعتمد في العديد من دراساته على عدد من الباحثين الصينيين المرموقين،[15] أنّ المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضدّ إيران كشفت عن مجموعة من الدلالات التي تُسهم في تحديد احتمالات التوجّه الإيراني مستقبلاً، وذلك على النحو الآتي:

1. كشفت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عن ثغرة تقنية في الدفاعات الإيرانية، التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الروسية، وهو ما قد يغوي إيران للتوجّه نحو الصين، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، لا سيّما بعد النتائج اللافتة للنظر في أداء الدفاعات الباكستانية ضدّ الهند، اعتماداً على التكنولوجيا الصينية، خصوصاً في مجالات الطائرات المُسيّرة، والصواريخ، وأنظمة الإنذار المبكر، والقدرات السيبرانية، وأجهزة المراقبة. ولعلّ ذلك يُوحي بتسارع وتنامي ميادين التعاون الصيني الإيراني على حساب “بعض العلاقات الروسية الإيرانية”.

2. تُشكّل الخبرة الكورية الشمالية مرجعية في التفكير الاستراتيجي الإيراني في المجال النووي، ويتمثّل ذلك في أنّ امتلاك الأسلحة النووية، وإظهار القدرة على استخدامها، يترك أثراً كبيراً على طاولة المفاوضات، يفوق تأثير مجرد وجود الإمكانيات لإنتاج السلاح النووي. ذلك يعني أنّ إيران قد تجد نفسها مضطرة للتخلّي عن استراتيجية الغموض الاستراتيجي، التي لم تمنع الهجوم عليها، وتتجه نحو النموذج الكوري الشمالي، لتضع حدّاً للرغبة في مهاجمتها مرة أخرى.

3. يُواجه الاقتصاد الإيراني المتعثّر ضغوطاً قاسية، فقد ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، مثل المصافي والموانئ البحرية، مما أدّى إلى تفاقم نقص الطاقة المحلي، واستمرار القيود على المنافذ التقليدية لإيرادات النفط. ولعلّ ذلك يُعزّز فكرة التوجّه نحو الصين، والتي تبدو بوادرها في وصول أول قطار شحن صيني مباشر إلى ميناء أبرين الجاف Aprin Dry Port الإيراني في أواخر أيار/ أيار 2025، كجزء من استراتيجية أوسع لترسيخ دور إيران في مبادرة الحزام والطريق الصينية China’s Belt and Road Initiative (BRI) عبر باكستان وآسيا الوسطى. ويتعزّز هذا التوجّه بأنّ مبادرة الحزام والطريق الصينية، خصوصاً ممرها الغربي عبر باكستان وآسيا الوسطى، توفّر لإيران عدداً من المزايا، مثل: تمويل البنية التحتية، والترابط التجاري، وإضعاف نسبي للعقوبات المفروضة عليها. وهو ما يُمثّل نقطة التلاقي بين رغبة صينية في تحقيق الاستقرار السياسي في منطقةٍ مهمّة لمشاريعها الاستراتيجية كمبادرة الحزام والطريق، وبين حاجة إيرانية إلى إيجاد بدائل للمجالات الحيوية التي أقفلها الحصار عليها. ولا شكّ أن ذلك سيُسهم في دمج إيران مستقبلاً في الاقتصاد الأوراسي الأوسع.

4. يبدو أن النزوع البراجماتي الصيني في إدارة العلاقات الدولية ينطوي على بعض المحاذير التي لا بدّ لإيران أن تراعيها. فمع الإقرار بالقوة الصاعدة للصين ودورها في مجلس الأمن لمنع صدور قرارات قد تلحق ضرراً استراتيجياً بإيران، إلا أنّه من الضروري التنبّه إلى أنّ الصين ستميل إلى استراتيجية تقوم على بُعدين هما:

أ‌. استثمار مواطن المنفعة من العلاقة مع إيران، خصوصاً في اعتبارها بوابة لموارد الطاقة والمعادن، وسوقاً للتوسّع التجاري والاستثماري، ونقطة وصل بين العديد من محاور استراتيجية الصين الأوراسية، ومعبراً جيواقتصادياً إلى الشرق الأوسط، ناهيك عن أنّ التزاحم الإيراني الأمريكي في المنطقة يشكل أداة للصين لصرف انتباه الولايات المتحدة وإشغالها بعيداً عن منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، التي تمثل ركناً أساسياً في الاستراتيجية الصينية الكبرى.

ب. بالرغم من النهج البراجماتي الصيني السابق تجاه إيران، إلا أنّه من غير المرجح أن تقدم الصين التزامات دفاعية مشتركة معها أو تنخرط في الصراعات الطائفية أو السياسية أو العسكرية في الشرق الأوسط. كما أنها ستميل إلى قدر من التردُّد في قبول تجاوز إيران لعتبة الأسلحة النووية. ويترتب على المعطيات السابقة صورة تشير إلى أنّ المستقبل الإيراني محفوف بالمخاطر، خصوصاً إذا تمّ استئناف تخصيب اليورانيوم بطريقة توحي باستمرار السعي المفترض نحو التسلح النووي، مما قد يدفع الصين للتردد في مساندة صريحة للسلوك الإيراني.

5. إشكالية مضيق هرمز: نظراً للسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، لا تستبعد الصين احتمال إغلاق المضيق في حال تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. لذلك، وتحسباً من تداعيات هذا الإغلاق، تبنّت بكين استراتيجية استباقية تقوم على ما يلي:

أ. تنويع مصادر الطاقة وعدم الاقتصار على مصادر محددة، وهو ما يتضح في تزايد الاعتماد الصيني على دول نفطية أخرى مثل روسيا، ودول آسيا الوسطى، والبرازيل، وأنغولا، وأستراليا، مع استمرار العلاقة مع إيران.

ب. اعتماد الصين استراتيجية التنويع في هذا الحقل، من خلال إيجاد طرق بديلة لمضيق هرمز مثل خطوط الأنابيب البرية أو الطرق البحرية التي تتجاوز مضيق هرمز تماماً، وهو ما يتجسد في خط أنابيب الغاز بين الصين وآسيا الوسطى، وخط أنابيب النفط بين شرق سيبيريا والمحيط الهادئ، إلى جانب الواردات المتزايدة من الغاز الطبيعي المسال الروسي عبر القطب الشمالي.

ج. بناء احتياطيات استراتيجية كبيرة، تُقدّر حالياً باحتياطيات تكفي لمئة يوم من البترول ولـ 35 يوماً من الغاز.

د. خفض اعتمادها على النفط المستورد بالنسبة إلى إجمالي استهلاكها من الطاقة، وهو الواضح في تزايد الاعتماد على مصادر طاقة بديلة للنفط، فهي تستورد لحاجتها الطاقوية ما نسبته 18.2% من البترول (70% منه مستورد)، و8.9% من الغاز (40% منه مستورد) من إجمالي الطاقة المستهلكة لسنة 2024.[16]

6. تدرك الصين أنّ مساعيها لاستقرار الإقليم الشرق أوسطي سيتضرر إذا تمّ تغيير النظام في طهران، لكنها وعلى الرغم من إدانة الهجوم الإسرائيلي على إيران، فإنها تميل للتوسط بين الأطراف المتصارعة، وتتجنب الاصطفاف الواضح إلى جانب إيران خصوصاً في المجال العسكري. ويبدو أنّ استراتيجية الوسيط ستَغلُب على الحركة الصينية في المنطقة، وهو ما يتضح في وساطتها بين إيران والسعودية، وبين الفصائل الفلسطينية، وربما بين إيران و”إسرائيل”.

خامساً: معهد بريماكوف الوطني لأبحاث الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية:

يعزو تقييم قدّمته نائبة مدير معهد بريماكوف الوطني لأبحاث الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية Primakov National Research Institute of World Economy and International Relations الروسي، فكتوريا زورافليفا Victoria Zhuravleva،[17] دوافع المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة إلى “دوافع سياسية بشكل أساسي”، إذ إن النتائج المتحققة من الهجوم الأمريكي على المرافق النووية الإيرانية غلب عليها الميل إلى الادعاء بالنصر من قبل ترامب، وذلك “لضرورات شعبية محلياً ودولياً”، مع أنّ ذلك يتناقض مع وعود ترامب لناخبيه في سنة 2024 بأنه رجل “سلام” وبأنه لن يسمح بحملات عسكرية أخرى، وهو ما أسهم في فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. إذ إن أكثر من 60% من الأمريكيين يعتقدون أنّه لا ينبغي جرّ أمريكا إلى الصراع بين إيران و”إسرائيل”. وللتوفيق بين وعوده وسلوكه مع إيران، لجأ ترامب إلى الإشارة إلى أنّ هذه كانت “مجرد عملية محلية صغيرة”، ولن يكون هناك استمرار، مع التركيز على الادّعاء بتحقيق الانتصار، وبأن البرنامج النووي الإيراني قد لحقت به أضرارٌ جسيمة.

لكن زورافليفا ترى أن ترامب استثمر أيضاً توجهات عدائية لدى المجتمع الأمريكي ضدّ إيران، إذ إنّ 61% من الأمريكيين يرون البرنامج النووي الإيراني تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة، وينظر 50% من الأمريكيين إلى إيران كعدو، بينما تميل الغالبية، خصوصاً النخبة في الحزبَين الديموقراطي والجمهوري، إلى اعتبار “إسرائيل” حليفاً وشريكاً موثوقاً به في الشرق الأوسط.

وترى الباحثة الروسية أنّ البُعد الانتخابي الأمريكي له دور في رسم صور متعددة للهجوم على إيران، فعلى الرغم من المظاهرات المساندة للفلسطينيين، خصوصاً من التيار التقدمي الديموقراطي، إلا أنّ موضوع العلاقة مع “إسرائيل” له حساسية خاصة ويتجاوز النزوع الأمريكي الشعبي نحو تغليب المصالح الفردية.

ويحدد تقييم الباحثة الروسية مجموعة من الشواهد التي لا بدّ من رصدها، لأنها تبدو مرجّحة، مثل:

1. احتمال استئناف إيران برنامجها النووي خلال فترة قصيرة.

2. احتمال عودة أمريكا للعمل العسكري ثانية ضد إيران.

3. محاولات الديموقراطيين، وبعض الجمهوريين، تعزيز ربط الحرب بموافقة الكونجرس Congress، ونتائج العملية العسكرية على إيران ستؤثر على الحزب الجمهوري، سلباً أم إيجاباً، أكثر من تأثيرها على ترامب نفسه الذي لن يستطيع الترشح لمرة ثانية.

سادساً: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي:

تناول معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي Institute for National Security Studies (INSS) في أحد تقاريره العلاقات الصينية الإيرانية،[18] ولكن برؤية تُخالف ما عرضناه من تصورٍ لمعهد دراسة الحرب الأمريكي. ويتضح ذلك في تقرير للمعهد يشير إلى أنّ الصين، تحت قيادة شي جين بينغ Xi Jinping، طرحت سلسلة من المبادرات العالمية التي يمكن أن تساعد في تلمّس الدور الصيني الدولي مستقبلاً. كانت أولى هذه المبادرات هي “الحزام والطريق”، تلتها في السنوات الأخيرة مبادرة التنمية العالمية Global Development Initiative (GDI) سنة 2021، ومبادرة الأمن العالمي Global Security Initiative (GSI) سنة 2022، ومبادرة الحضارة العالمية Global Civilization Initiative (GCI) سنة 2023. وتُعدّ هذه المبادرات، إلى جانب مفهوم “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”، جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الدولية وتعزيز الرؤية الصينية للنظام العالمي.

لكن التقرير يشير إلى أنّ “إسرائيل” تواجه، في ظلّ هذه الرؤية، سلسلة من الإشكاليات، هي:

1‌. النفوذ الإقليمي: تُشير رعاية الصين للتقارب الديبلوماسي بين إيران والسعودية، إلى جانب مشاركتها في القضية الفلسطينية بموجب مبادرة الأمن العالمي، بما في ذلك جهود الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، وإن كانت رمزية إلى حدّ كبير، إلى تنامي المشاركة الصينية في قضايا حساسة لـ”إسرائيل”، وهو ما ينبغي على “إسرائيل” تقييم مدى تأثيره على التوازن الاستراتيجي الإقليمي وانعكاساته على الأمن الإسرائيلي.

2. تصاعد التنافس بين الكتل الدولية الكبرى: تُعزز المنافسة بين الولايات المتحدة والصين نظاماً دولياً أكثر استقطاباً، يتميز بتصاعد التوترات والخلافات في المحافل العالمية، وهو ما يجعل عملية صنع القرار في “إسرائيل” أكثر تعقيداً، خصوصاً فيما يتعلق بقدرتها على الحفاظ على هامشٍ للمناورة باستقلالية في مجالات مُعيّنة، إضافة إلى قدرتها على طرح أجندات جديدة على الساحة الدولية تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية.

3. الضغط الأمريكي: يجب على “إسرائيل” التوفيق بين تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ودور الصين كشريك تجاري مهم، فمن المُرجّح أن يشتد الضغط الأمريكي، ولا سيّما فيما يتعلق بالاستثمارات الصينية في “إسرائيل” في البنية التحتية الحيوية والتقنيات المتقدمة ذات الاستخدام المزدوج، نظراً للمخاوف الأمنية والاستخباراتية.

في ظلّ هذا المنظور الإسرائيلي للتوجه الصيني، فإنها تربط بين هذا التوجه وبين البرنامج النووي الايراني، ومن هنا يُقدّم المعهد تصوراً[19] لنتائج المواجهة الأخيرة على احتمال استئناف البرنامج الإيراني من ناحية، وانعكاسات ذلك لاحقاً على الدور الصيني من ناحية ثانية.

يشير تقرير المعهد إلى أنّ الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضراراً بالغة بمعظم البنية التحتية لإنتاج المواد الانشطارية في إيران، لكنها لم تصل إلى مستوى التدمير الكامل. وقد تعرضت قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم لخطر كبير، باستثناء موقع فوردو. ومن المتوقع أن يستغرق التعافي من الآثار الأولية عدة أشهر، على الرغم من التأكيد على أنّ البنية المعرفية (العلماء) والبنية التحتية المادية للبرنامج قد تعرضتا لأضرار جسيمة. ويتوقع التقرير أن تقوم إيران بنقل ورش عمل إضافية إلى منشآت تحت الأرض، مع زيادة إنتاج الطاقة في المواقع الثانوية، وتوزيع فرق التطوير على مواقع متعددة. وستحرص “إسرائيل”، في استراتيجية تعطيل النشاط في البرنامج النووي، على تجنُّب استهداف منشآت فعالة خطرة، مع المحافظة على سردية “الاستهداف الدقيق”، وتخدم باتجاه إضعاف مخاطر التدخل الفوري للقوى العالمية، ومن بينها الصين وروسيا.

لكن التقرير يشير إلى إشكالية تتعلق بوكالة الطاقة الذرية الدولية، إذ إنّ من المرجح أن تؤدي الهجمات المستمرة إلى تعطيل قدرة الوكالة على مواصلة عمليات التفتيش في المواقع النووية الإيرانية. وقد تحاول إيران أيضاً نقل القدرات المتبقية إلى مواقع سرية خارج نطاق إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ذلك يعني أنّ السياسة الإسرائيلية تتجه نحو الاستمرار في تعطيل البرنامج النووي الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى تجنّب دفع المواجهة إلى الحد الذي يُلزم الشركاء الاستراتيجيين لإيران بالتدخل لكبح السياسة الاسرائيلية.

سابعاً: المؤشرات العامة للتقارير:

أشرنا في بداية هذا التقرير إلى ثلاثة محاور مركزية تتعلق بمستقبل إيران وانعكاساتها على مكانتها الإقليمية والدولية. وسنحاول، استناداً إلى التوجهات المشتركة في الأدبيات غير العربية، إلى تحديد السيناريو الأرجح لإيران على النحو التالي:

تغيير النظام السياسي في إيران:

يمثّل انهيار النظام السياسي في إيران، في ضوء تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، هدفاً مركزياً لكل من “إسرائيل” والولايات المتحدة. وقد تبنّت بعض القوى الإيرانية هذا التوجه استناداً إلى المعطيات التالية:[20]

1. الاستناد إلى تصريحات ما يُطلق البعض عليه “ولي العهد الإيراني” وأحد أركان المعارضة الإيرانية في المنفى، رضا بهلوي (ابن شاه إيران السابق)، والتي قال فيها: “طبقاً لمصادر داخل إيران، فإنّ بنية القيادة والسيطرة في النظام تنهار بشكل متسارع، كما أنّ المجتمع الدولي بدأ يدرك بشكل متزايد بأنّ الجمهورية الإسلامية لا مستقبل لها، وهو ما دفع للبدء بمناقشة ما بعد الجمهورية الإسلامية”. ويبدو أنّ هذا التقييم الصادر عن معارض إيراني يأتي بعيداً إلى حدّ كبير عن التقييمات الموضوعية التي تطرحها مراكز الدراسات الأكاديمية.

2. ثمة ستة سيناريوهات تمثّل احتمالات متعددة لمستقبل النظام الإيراني، نحددها في الآتي ثم نبحث مآلاتها:

أ‌. سيناريو وقوع شقاق بين الحرس الثوري والجيش، وأن يميل بعض قادة الحرس إلى توجهات تذمر أعمق موجودة في الجيش، ويتم تغيير النظام من خلال هذا التحالف بين الجيش والمتذمرين في الحرس الثوري.

ب. سيناريو استعادة بعض قادة المعارضة المحلية الذين أفرج عنهم النظام مؤخراً لدورهم السابق، والعمل على تنظيم صفوفهم واستقطاب الشارع الإيراني مجدداً، من خلال توظيف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتحريك الشارع بهدف تغيير النظام.

ج. سيناريو “الحنين إلى الماضي” (النوستالجيا nostalgia)، أي إلى فترة العهد الملكي، وهو أمل تسانده نخب محلية وتدعمه قوى إقليمية ودولية.

د. سيناريو رابع يتمثل في تحالف بعض الأقليات أو أغلبها مع المعارضة الفارسية لتغيير النظام، وقد تكون أهم هذه الأقليات في هذا المجال هي الأقليات الأهوازية أو البلوشية أو الأذرية أو الكردية، لكن المشكلة هنا أنّ الفرس (55% من المجتمع) ينظرون إلى هذه الأقليات كحركات انفصالية، وهو ما يعيق التقارب بين هذه الأطراف.

هـ. الخلاف على منصب المرشد للثورة في حالة غياب خامنئي عن المسرح السياسي الإيراني.

و. بقاء النظام، ولكن هل يعني البقاء مواصلة التوجه الحالي، أم النزوع نحو صبغة عسكرية أكثر، أو صبغة دينية أكثر تشدداً؟

ثامناً: السيناريوهات المستقبلية بين المنظور الإيراني والواقع الحالي:

في تقرير لأحد مراكز الدراسات الإيرانية، تمّ نشره قبل العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران بنحو شهرين،[21] حول سياسات ترامب في ولايته الثانية، يتبيّن وبشكل لا لبس فيه أنّ العقل الاستراتيجي الإيراني لم يكن مطمئناً بأي شكل لسياسات ترامب في المنطقة. وحدّد التقرير ثلاثة عوامل رأى أنّها هي الحاكمة لسلوك الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وهي “إسرائيل” خصوصاً سياسات نتنياهو الساعية لشرق أوسط جديد، ثم شخصية ترامب، وثالثها دور المؤسسة السياسية الأمريكية. وينتهي التقرير إلى خلاصة محددة وهي أنّ “سياسات ترامب ستجعل الشرق الأوسط أكثر سوءاً من الجانب الأمني”. ذلك يعني أنّ التَّحسب الإيراني من الوصول إلى نقطة المواجهة لم يكن غائباً، وهو ما يعزز التحوط الإيراني خصوصاً على برنامجهم النووي.

وعليه، فإنّ المكانة الإيرانية ستتحدد استناداً إلى ثلاثة عوامل مركزية تضع أسس سيناريوهات المستقبل وهي:

1. الوضع الداخلي الإيراني:

يمكن تحديد الوضع الداخلي الإيراني حالياً من خلال عدد من المؤشرات على النحو التالي:[22]

أ. معدل الاستقرار السياسي: تراجع المعدل الإيراني من 0.32 سالب سنة 1996 إلى 1.69 سالب سنة 2023، وهي تحتل المرتبة 177 من بين 193 دولة في معدل الاستقرار، وبلغ المعدل العام للاستقرار خلال الفترة 1996-2023 ما يساوي 1.12 سالب.

ب. مؤشر جيني Gini index لقياس عدالة توزيع الثروة: تحتل إيران المرتبة 113 (من بين 193 دولة) بمعدل 35.9، مما يجعلها ضمن عدالة نسبية. والملاحظ أنّ معدل دخل الفرد الإيراني يقلّ قليلاً عن 5 آلاف دولار سنوياً (على أساس القيمة الاسمية وليس القوة الشرائية)، وهي بذلك تحتل المرتبة 55 عالمياً، وعلى الرغم من التراجع في هذا المعدل خلال العقدين الماضيين بمعدل 20%، إلا أنّه عاد للتعافي منذ عامين.

ج. الديموقراطية: سجّل مؤشر الديموقراطية الإيراني معدل 1.96 من عشرة، مما يضعها في المرتبة 154 ضمن النظم السلطوية.

د. مؤشر السلام العالمي Global Peace Index لسنة 2024: سجّلت إيران معدل 2.682 من خمسة، وهو ما يضعها في المرتبة 133 عالمياً، بينما احتلت “إسرائيل” المرتبة 155 بمعدل 3.115.

هـ. المركز العلمي طبقاً لعدد العلماء ومعدل النشر العلمي: تحتل إيران مركزاً متقدّماً في هذا الجانب، فهي تقف في المرتبة 15 عالمياً في النشر العلمي، والمرتبة 23 في عدد العلماء.

و. نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الناتج المحلي: تصل النسبة الإيرانية إلى 2% (قيمة الإنفاق هي 7.9 مليار دولار)، وتحتل المرتبة 34 عالمياً (مقابل إنفاق إسرائيلي يصل إلى 8.8% بإجمالي 46.5 مليار دولار، مما يضعها في المرتبة 12 عالمياً، ولكنها الأولى في نسبة الإنفاق إلى إجمالي الناتج المحلي).

ز. العولمة: تحسّن مؤشر العولمة الإيراني بالتقدّم عشر مراتب خلال الفترة من 2000–2022، مع الملاحظة أنّ العولمة السياسية (مزيد من الانخراط في النشاطات الدولية) تزايدت، بينما كانت العولمة الاقتصادية هي الأضعف.

وتكشف المؤشرات البنيوية السابقة عن أنّ المؤشرات ذات الطابع السياسي تميل بشكلٍ لا لبس فيه نحو السلبية، بينما يسير مؤشر التطوّر العلمي بشكلٍ إيجابيٍّ واضح، ويتراوح المؤشر الاقتصادي والعسكري بين البُعدين السابقين.

وثمّة بُعدٌ آخر هو مرحلة ما بعد المرشد الحالي خامنئي؛ فهو في عمر 86، أي يفوق معدّل العمر في إيران بنحو 11 عاماً، ولا يتّضح حتى الآن من هو خليفة خامنئي. ويبدو، طبقاً لبعض التقارير، أنّ المنافسة ستكون بين مجتبى خامنئي Mojtaba Khamenei (ابن المرشد) وبين حسن الخميني Hasan Khomeini (حفيد الخميني)، دون استبعاد آخرين مثل صادق لاريجاني Sadegh Larijani (رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام)، أو محسن آراكي Mohsen Araki (من أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام)، أو علي رضا أعرافي Alireza Arafi (رجل دين ورئيس سابق لجامعة المصطفى).[23]

ذلك يعني أنّ الوضع الإيراني قد يميل لبعض الاضطرابات الداخلية أو وقوع اختراقات خارجية لبعض الجماعات الداخلية، كما تبيّن من الاعتقالات الأخيرة في صفوف بعض المجموعات، لكنّ تغيير النظام بالمعنى الذي تسعى له “إسرائيل” والولايات المتحدة ليس مرجّحاً في المدى الزمني المباشر (من 1–3 أعوام)، ويعزّز ذلك:

أ. الرُّشد الذي أبدته المعارضة الإيرانية من داخل النظام، خصوصاً من التيار الإصلاحي؛ فهي تعاملت مع الأزمة على أساس حقّ إيران في التقنية النووية من ناحية، واعتبار التدخّل الخارجي خطراً على البلاد لا على النظام فقط من ناحية ثانية. كما أنّ تفكّك المعارضة ووجود خلافات قومية وآيديولوجية فيما بينها من جانب، ودور الحرس الثوري وقوّات الباسيج Basij في الضبط الداخلي من جانب آخر، يثير شكوكاً حول قدرة المعارضة على الحركة الفاعلة.[24]

ب. حذر الدول الخليجية من انكشاف أيّ دور لها لتعزيز عدم الاستقرار في إيران، وهو أمر قد يُقلِّص من نشاط المعارضة.

ج. أنّ المواجهة تتمّ مع عدوَّين لا يحظيان بصورة إيجابية لدى الشارع الإيراني، خصوصاً “إسرائيل” أولاً، ثم أمريكا.

د. رغبة القوى الدولية، خصوصاً أوروبا والصين وروسيا، بلجم آثار الاضطراب على الأسواق النفطية، خصوصاً إذا اتجهت إيران لإغلاق مضيق هرمز، أو تصاعد القتال إلى حدّ ضرب مؤسسات بترولية في منطقة الخليج كلّها، ممّا يعني الحرص على لجم الاضطراب الداخلي.

هـ. أنّ القدرة الإيرانية على الردّ وإلحاق خسائر مهمة في الجانب الإسرائيلي تتكشّف تباعاً، ما عزّز الشعور بالثقة لدى أنصار النظام، على الرغم من الخروقات الأمنية في بداية المواجهات.

2. البرنامج النووي الإيراني:

يمكن القول إنّ الضرر الذي أصاب البرنامج الإيراني، طبقاً لأغلب التقارير المتداولة، بما فيها تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية،[25] هو “أكبر ممّا تُقِرّ به إيران، لكنه أقلّ كثيراً من الادّعاءات الأمريكية والإسرائيلية”. وطبقاً لمؤشرات التطوّر العلمي التي أشرنا إليها، فإنّ القدرة الإيرانية في البرنامج النووي أصبحت إحدى مسلّمات هذا الميدان، وهو ما يعني أنّ احتمال تراجع النظام الحالي عن برنامجه النووي سيبقى شبه منعدم، وسيبقى الغموض الاستراتيجي هو المُهيمِن على الموقف الإيراني من البرنامج النووي وحدوده. ويبدو أنّ السرّية في البرنامج ستزداد، خصوصاً مع تعليق العلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن لا يبدو، حتى الآن، أنّ إيران ستذهب إلى الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ولكن قد تستخدم هذا الاحتمال من باب الضغوط التفاوضية. مع ضرورة الإشارة إلى أنّ معاهدة سنة 1968 لا تسمح لغير الدول الـ 191 الموقّعة عليها بامتلاك السلاح النووي. ذلك يعني أنّ الاحتمال الأرجح هو أن تستمرّ إيران في برنامجها النووي ضمن استراتيجية الغموض، وهو ما يُبقي احتمال تكرار الهجمات الإسرائيلية والأمريكية عليها قائماً، ما لم يُفاجئ ترامب العالم بتحوّل جديد مع إيران. [26]

3. بنية التحالفات الدولية الإيرانية:

أشرنا إلى أنّ أهمّ حلفاء إيران هما الصين وروسيا، ويبدو أنّ كلاً من هاتين الدولتين تميلان إلى دفع إيران نحو “بعض المساومة”، خصوصاً في برنامجها النووي، على الرغم من الإدانة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. فالمنهج الصيني البراجماتي يعزّز ذلك، كما أنّ احتمالات المواجهة حول تايوان تحول دون النزوع الصيني للغرق في المستنقع الشرق أوسطي. أمّا روسيا، فإنّ الانشغال بالجبهة الأوكرانية سيجعلها أقلّ نزوعاً للتمدّد الزائد، بتعبير بول كيندي Paul Kennedy، لكنّ الدولتين لن تبخلا ببعض الدعم السياسي واللوجستي في مجالات معيّنة إذا تصاعد الموقف، خصوصاً أنّ كلاً من الصين وروسيا لهما مصالح مع “إسرائيل” تسعيان لعدم التضحية بها ضمن ظروف معيّنة. كما أنّ اتفاقات الدولتين بالشراكة الاستراتيجية مع إيران لا تصل إلى حدود التحالف العسكري، بل تبقيان في حدود التعاون والتنسيق الأمني والدفاعي.[27]

أمّا في الجانب الإقليمي، فقد تراجعت تحالفات إيران الإقليمية بخسارتها لسورية أوّلاً، وتراجع حزب الله تراجعاً استراتيجياً ثانياً، ثمّ الغموض والتأرجح في القوى العراقية ذات العلاقة مع إيران. فإذا أضفنا إلى ذلك التعاون الكبير بين “إسرائيل” وأذربيجان والهند، يتبيّن أنّ المركز الإقليمي لإيران لن يتحقّق طبقاً لخطّة 2005، لكنّ النظام لن يتخلّى عن هذا التوجّه، وهو ما يزيد من احتمالات عودة المواجهات العسكرية والتطويق المتبادل بين “إسرائيل” وإيران مرّة أخرى.

لكنّ الضرورة تقتضي التنبّه إلى أنّ إيران تنتمي إلى أربعة أقاليم فرعية، هي: الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، والقوقاز، ومنطقة الخليج. وتشير دراسة كرونولوجيا chronological study النزوع الاستراتيجي الإيراني تاريخياً، منذ مرحلة ما قبل حضارة إيلام (3200 ق.م – 2800 ق.م) إلى المرحلة الحالية، إلى أنّ هذا النزوع نحو القفقاس كان 15 مرّة، والشرق الأوسط 13 مرّة، وآسيا الوسطى 10 مرّات، بينما كان النزوع نحو منطقة الخليج مرّتين،[28] أي أنّ المجال الحيوي لإيران يتمركز حول المنطقة الأولى والثانية، وهو ما يجعل إيران متمسّكة بتوجّهها الشرق أوسطي نظراً لحيويته في مجال المكانة الدولية لها.

الخلاصة:

يتّضح لنا من العرض السابق النتائج الأوليّة التالية:

1. ما تزال احتمالات بقاء النظام أعلى من احتمالات تغييره في المدى القصير.

2. احتمالات السعي الإيراني لمواصلة برنامجها النووي أقوى من احتمالات التخلي عنه.

3. إنّ احتمالات غزو أمريكي لإيران ما تزال ضعيفة، في ظلّ معارضة داخلية، وتكلفة ذلك في ظلّ سياسات ترامب، إلى جانب عدم وجود رغبة أوروبية بالمشاركة فيه، ناهيك عن المعارضة الروسية والصينية، وتخوّف دول الخليج العربي من تداعيات ذلك عليها.

4. ما تزال معوّقات بلوغ إيران حالة “الدولة المركز” لإقليم الشرق الأوسط أقوى من محفّزات بلوغه.

5. إنّ احتمالات استمرار الصراع الإسرائيلي الأمريكي مع إيران (عسكرياً، واستخباراتياً، وسياسياً، واقتصادياً) تفوق احتمالات التسوية بينهما، كما أنّ احتمالات استمرار التطويق المتبادل بين “إسرائيل” وإيران (عبر التحالفات الإقليمية مع الدول أو ما دون الدول) تفوق احتمالات التخلي عن هذه الاستراتيجية، لكنها لن تصل إلى الغزو المباشر كما أشرنا.

6. إنّ المؤشرات السياسية لإيران (معدّل الاستقرار، والديموقراطية،…إلخ) تتّسم بالسلبية، بينما تتّسم المؤشرات العلمية بالإيجابية العالية، وتتراوح المؤشرات الاقتصادية بينهما، وهو ما يعني احتمال ظهور بعض مظاهر الاضطراب العابرة بين الحين والآخر.


الهوامش:
[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
[2] Trump claims Iran’s nuclear capabilities ‘obliterated’ despite UN watchdog comments – as it happened, The Guardian newspaper, 25/6/2025, https://www.theguardian.com/world/live/2025/jun/25/israel-iran-war-live-iranian-nuclear-program-could-restart-in-months-pentagon-finds-as-fragile-ceasefire-holds
[3] François Diaz-Maurin, Israel claims it damaged Iran’s Natanz nuclear facility “significantly.” But questions remain, site of Bulletin of the Atomic Scientists, 13/6/2025, https://thebulletin.org/2025/06/israel-claims-it-damaged-irans-natanz-nuclear-facility-significantly-but-questions-remain
[4] Aleksandar Brezar, Iran’s ayatollah claims ‘victory’ over Israel in first public appearance since ceasefire deal, site of Euronews, 26/6/2025, https://www.euronews.com/2025/06/26/irans-ayatollah-claims-victory-over-israel-in-first-public-appearance-since-ceasefire-deal
[5] Amy Spiro, These are the 28 victims killed in Iranian missile attacks during the 12-day conflict, site of The Times of Israel, 29/6/2025, https://www.timesofisrael.com/these-are-the-28-victims-killed-in-iranian-missile-attacks-during-the-12-day-conflict; and Ruti Levy, ‘Turns Out You Can Even Kill Cadavers’: Inside the Scientific and Financial Catastrophe Iran Left in Israel, Haaretz newspaper, 2/7/2025, https://www.haaretz.com/israel-news/2025-07-02/ty-article-magazine/.premium/turns-out-you-can-even-kill-cadavers-the-scientific-catastrophe-iran-left-in-israel/00000197-caec-d78d-a39f-dbfc22500000
[6] Martin Beck, “The Concept of Regional Power: The Middle East as a Deviant Case?,” Conference Paper, “Regional Powers in Asia, Africa, Latin America, the Near and Middle East”, GIGA German Institute of Global and Area Studies, Hamburg, 11-12/12/2006, https://web.archive.org/web/20090327080130/http://www.giga-hamburg.de/content/forumregional/pdf/giga_conference_RegionalPowers_0612/giga_RegPowers0612_paper_beck.pdf
[7] حول تفاصيل هذه الخطة الإيرانية الاستراتيجية في أبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية، انظر: وليد عبد الحي، إيران: مستقبل المكانة الإقليمية عام 2020 (الجزائر: مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف، 2010)، ص 259-261، و548-552.
[8] Nicole Grajewski, The Most Significant Long-Term Consequence of the U.S. Strikes on Iran, site of Carnegie Endowment for International Peace, 26/6/2025, https://carnegieendowment.org/emissary/2025/06/iran-strikes-us-impacts-iaea-nuclear-weapons-monitoring?lang=en&fbclid=PAZXh0bgNhZW0CMTEAAaczersw1umoTLcATeJ_AOh8SSmUPJNtjaAolMlxqrgBLzAuClI-rvF_VVtxTA_aem_PziIdZwdLj_5XvLArjSOUQ
[9]Strike Set Back Iran’s Nuclear Program by Only a Few Months, The New York Times newspaper, 24/6/2025, https://www.nytimes.com/2025/06/24/us/politics/iran-nuclear-sites.html
[10] Francois Murphy and John Irish, U.S. strikes on Iran’s nuclear sites set up “cat-and-mouse” hunt for missing uranium, Reuters News Agency, 29/6/2025, https://www.reuters.com/world/europe/us-strikes-irans-nuclear-sites-set-up-cat-and-mouse-hunt-missing-uranium-2025-06-29
[11] Francois Murphy, IAEA pulls inspectors from Iran as standoff over access drags on, Reuters, 4/7/2025, https://www.reuters.com/world/middle-east/iaea-pulls-inspectors-iran-standoff-over-access-drags-2025-07-04
[12] Iran Update, June 25, 2025, site of Institute for the Study of War (ISW), https://www.understandingwar.org/backgrounder/iran-update-june-25-2025
[13] Reza Pahlavi, son of king overthrown by Iran’s clerical rulers, sees a chance at regime change, site of The French Institute of International Relations (Ifri), 25/6/2025, https://www.ifri.org/en/media-external-article/reza-pahlavi-son-king-overthrown-irans-clerical-rulers-sees-chance-regime
[14] Sergey Sukhankin, The Caspian Sea as an Emerging Energy Hub : Potentials and Limitations, Ifri, 2/7/2025, https://www.ifri.org/en/papers/caspian-sea-emerging-energy-hub-potentials-and-limitations
[15] Hao Nan, Iran-Israel war: What China won’t do for Iran, site of ThinkChina, 30/6/2025, https://www.thinkchina.sg/politics/iran-israel-war-what-china-wont-do-iran?ref=home-latest-articles
[16] Hao Nan, Strait of Hormuz blockade: Why Beijing is better prepared than you think, ThinkChina, 23/6/2025, https://www.thinkchina.sg/politics/strait-hormuz-blockade-why-beijing-better-prepared-you-think
[17] الصراع في الشرق الأوسط: أمريكا في حيرة وتنتظر النهاية!، موقع إنترفاكس، 27/6/2025، في: interfax.ru/world/1033338 (باللغة الروسية)
[18] Shira Gross, China’s Global Initiatives: Implications and Recommendations for Israel, site of Institute for National Security Studies (INSS), 11/5/2025, https://www.inss.org.il/publication/china-world
[19] Avihum Marom, Spotlight Report: Israeli Strikes on Iran’s Nuclear Sites, INSS, 19/6/2023, https://www.inss.org.il/publication/iran-nuclear-spotlight
[20] Efrat Lachter, Here’s what a post-Ayatollah Iran could look like if war with Israel leads to regime’s fall, site of Fox News, 21/6/2025, https://www.foxnews.com/world/heres-what-post-ayatollah-iran-could-look-like-war-israel-leads-regimes-fall; Erin Cunningham and Mustafa Salim, Clues to the identity of Iran’s next supreme leader in the back alleys of a holy city, site of The Washington Post newspaper, 20/3/2019, https://www.washingtonpost.com/world/clues-to-the-identity-of-irans-next-supreme-leader-in-the-back-alleys-of-a-holy-city/2019/03/20/a96f857e-2a2d-11e9-906e-9d55b6451eb4_story.html; and Parisa Hafezi, Succession plans for Iran’s Khamenei hit top gear, Reuters, 23/6/2025, https://www.reuters.com/world/middle-east/succession-plans-irans-khamenei-hit-top-gear-2025-06-23
[21] Trump’s Middle East Policy Will Be Destructive, site of The Institute for Iran and Eurasia Studies (IRAS), April 2025, https://www.iras.ir/en/trumps-middle-east-policy-will-be-destructive
[22] حول هذه المؤشرات، انظر:
List of countries by number of scientific and technical journal articles, site of Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_countries_by_number_of_scientific_and_technical_journal_articles; Gini index, site of World Bank Group, https://data.worldbank.org/indicator/SI.POV.GINI?most_recent_year_desc=true&year=2023; Political stability – Country rankings, site of TheGlobalEconomy.com, https://www.theglobaleconomy.com/rankings/wb_political_stability; Xiao Liang et. al, Trends in World Military Expenditure, 2024, SIPRI Fact Sheet, site of Stockholm International Peace Research Institute (sipri), April 2025, https://www.sipri.org/sites/default/files/2025-04/2504_fs_milex_2024.pdf#page=2; “Democracy Index 2024,” site of The Economist Intelligence, 2025, https://image.b.economist.com/lib/fe8d13727c61047f7c/m/1/609fbc8d-4724-440d-b827-2c7b7300353d.pdf; Global Peace Index 2024: Measuring Peace in a Complex World, site of Institute for Economics & Peace, June 2024, https://www.economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2024/06/GPI-2024-web.pdf; and Iran: Overall globalization, TheGlobalEconomy.com, https://www.theglobaleconomy.com/Iran/kof_overall_glob
[23] Parisa Hafezi, Succession plans for Iran’s Khamenei hit top gear, Reuters, 23/6/2025.
[24] Tom O’Connor, As Israel Eyes Regime Change, Iran’s Opposition Is Divisive and Divided, site of Newsweek, 16/6/2025, https://www.newsweek.com/israel-eyes-regime-change-irans-opposition-divisive-divided-2086253
[25] Bill Hutchinson, After US and Israeli strikes, some nuclear experts say Iran could be more dangerous, site of ABC News, 3/7/2025, https://abcnews.go.com/International/after-us-israeli-strikes-nuclear-experts-iran-dangerous/story?id=123224192; Pentagon assesses strikes on Iran’s nuclear program set it back by up to two years, The Times of Israel, 3/7/2025, https://www.timesofisrael.com/pentagon-assesses-strikes-on-irans-nuclear-program-set-it-back-by-up-to-two-years/; Mara Karlin and Fred Dews, How do we know if US strikes on Iran’s nuclear facilities were successful?, site of The Brookings Institution, 24/6/2025, https://www.brookings.edu/articles/how-do-we-know-if-us-strikes-on-irans-nuclear-facilities-were-successful; and Director General Grossi’s Statement to UNSC on Situation in Iran, site of International Atomic Energy Agency (IAEA), 13/6/2025, https://www.iaea.org/newscenter/statements/director-general-grossis-statement-to-unsc-on-situation-in-iran-13-june-2025
[26] Trump has left the G7 early – what are his options for dealing with Iran?, site of British Broadcasting Corporation (BBC), 17/6/2025, https://www.bbc.com/news/articles/cx23e4pzjg3o
[27] Ann Scott Tyson Staff and Fred Weir, Iran relies on China and Russia. They didn’t show up for its fight with Israel, site of The Christian Science Monitor, 26/6/2025, https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2025/0626/china-russia-iran-korea-axis-upheaval; and Jonathan Roll, Where are China and Russia in the Israel-Iran conflict?, site of The Loop, 3/7/2025, https://theloop.ecpr.eu/where-are-china-and-russia-in-the-israel-iran-conflict
[28] وليد عبد الحي، إيران: مستقبل المكانة الإقليمية عام 2020، ص 35-37، وص 550-552.

أ. د. وليد عبد الحي - مركز الزيتونة

“ليلة قاسية جداً في تل أبيب”.. ماذا خلّفت عملية “الوعد الصادق 3” حتى الآن؟

“ليلة قاسية جداً في تل أبيب”.. ماذا خلّفت عملية “الوعد الصادق 3” حتى الآن؟

أطلقت إيران، مساء أمس الجمعة، عملية "الوعد الصادق 3"، في رد على العدوان الإسرائيلي على البلاد، مستهدفةً مناطق واسعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بموجات متعددة من الصواريخ البالستية.

القصف الصاروخي الإيراني، دفع السفير الأميركي في كيان الاحتلال، مايك هاكابي، إلى القول إن "الليلة الماضية في تل أبيب، كانت قاسية جداً".

الإعلان الإيراني عن العملية
مع انطلاق الموجة الأولى من الصواريخ الإيرانية، نحو الأراضي المحتلة، أطل قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، في كلمة متلفزة، أعلن فيها أن "الشعب الإيراني لن يسكت عن دماء شهدائه، ولن يغضّ الطرف عن انتهاك سماء بلاده".

وتوعّد السيد خامنئي الاحتلال بأنه لن "يفلت سالماً من الجريمة الكبرى التي ارتكبها".

من جانبه، أعلن الحرس الثوري، في بيان، بدء "رده الساحق، والدقيق، على عشرات الأهداف، والمراكز العسكرية، والقواعد الجوية، للنظام الصهيوني الغاصب، في الأراضي المحتلة".

الأماكن المستهدفة
الهجمات الصاروخية من إيران، استهدفت مساحة واسعة من الأراضي المحتلة، إلا أنها تركّزت في "تل أبيب".

ودوت صفارات الإنذار، بشكل متكرّر، في منطقة "تل أبيب"، والقدس والضفة الغربية، في الوسط، كما دوّت في مناطق الجليل وحيفا شمالاً، وفي عدّة مناطق جنوب فلسطين المحتلة.

إيران أعلنت استهداف مقر وزارة "الأمن" الإسرائيلية (الكرياه)، مرتين خلال هجماتها، كما استهدفت قواعد جوية، أبرزها "رامات دافيد" في الشمال، و"نيفاتيم" جنوباً، إضافةً إلى المراكز الصناعية العسكرية، التي قالت طهران إن "جيش النظام الصهيوني استخدمها لإنتاج الصواريخ، وغيرها من المعدات، والأسلحة العسكرية، لارتكاب الجرائم ضد الشعوب المقاومة في المنطقة".

وأكدت وكالة "تاس" الروسية أن الضربات الإيرانية أصابت أكثر من 150 هدفاً، من بينها قواعد جوية إسرائيلية تضم مقاتلات من طراز "أف 35" و"أف 16" و"أف 15".

وتحاول "إسرائيل" التكتم على نتائج الرد الإيراني، من خلال فرض قيود على النشر، والمنع من التصوير في محيط الأهداف المصابة، حيث طلب "الجيش" الإسرائيلي، من المستوطنين، عدم تصوير أماكن سقوط الصواريخ الإيرانية.

كثافة النيران في العملية
منصات الأخبار والقنوات في كيان الاحتلال، تحدّثت عما لا يقل عن 200 صاروخ، أُطلقت من إيران نحو "إسرائيل"، في الضربات الإيرانية المتعاقبة.

كما قال "الجيش" الإسرائيلي إن أنظمة الدفاع الجوي، تعاملت مع المئات من المسيّرات، حيث تحدّث عن 200 مسيرة، أطلقت من إيران، في ساعات الصباح الأولى، أمس، ما خلا الدفعات الأخرى، التي أطلقت في أوقات لاحقة.

آثار العملية على البنى التحتية والسكان
وسائل إعلام إسرائيلية عديدة، تحدّثت عن "دمار غير مسبوق في تل أبيب"، كما أظهرت صور، نشرها المستوطنون، ووكالات أنباء دولية، دماراً واسعاً في المناطق التي أصابتها الصواريخ الإيرانية مباشرةً.

وذكرت وسائل الإعلام، أن 10 فرق إطفاء وإنقاذ، تعمل في منطقة "لتسيون - جنوب تل أبيب"، التي شهدت "دماراً كبيراً، في إثر سقوط صاروخ إيراني".

كما أصاب صاروخ إيراني "منطقة استراتيجية، إلى الجنوب من تل أبيب"، فضلاً عن حدوث إصابات مباشرة في "غوش دان"، وإحداث أضرار بالغة بمنبى مكوّن من 50 طبقة في "تل أبيب الكبرى"، بحسب الإعلام العبري.

أما على صعيد السكان، فقد ذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أنه جرى إجلاء العشرات من السكان في "تل أبيب"، وستقوم البلدية بنقلهم إلى مراكز نزوح خاصة.

وأقر "جيش" الاحتلال، بأن الدفاعات الجوية الخاصة به "ليست محكمة"، طالباً من المستوطنين "التنبّه"، والبقاء قرب "الأماكن المحصنة".

قتلى وإصابات عديدة بين المستوطنين
القناة 12 الإسرائيلية، قالت إن 3 من المستوطنين قتلوا، فيما أُصيب 100 آخرون في الرشقات الصاروخية الإيرانية المتتالية التي استهدفت "إسرائيل"، فيما لم يعلن جيش الاحتلال عن خسائر بشرية في صفوفه تبعاً لسياسة التعتيم التي يتبعها في مثل هذه الحالات.

فرق الإسعاف الإسرائيلي، تحركت بكثرة في منطقة "الوسط"، خصوصاً في "غوش دان" و"رامات غات"، كما نشطت، بوتيرة أقل، جنوب وشمال الأراضي المحتلة.

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إن المستشفيات الإسرائيلية تتعامل مع العشرات من الإصابات الخطِرة.

الدفاعات الجوية الإيرانية
في غضون ذلك، بدأت الدفاعات الجوية الإيرانية، التعامل مع مقذوفات، وطائرات مسيرة، ومقاتلات إسرائيلية، منذ عصر الجمعة.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن الجيش الإيراني، أن دفاعاته تمكنت من إسقاط مقاتلتين إسرائيليتين من طراز F-35، فضلاً عن العشرات من الطائرات المسيّرة، المسلحة، والتجسسية.

وكان حرس الثورة في إيران، قد أكّد في بيانه الثاني، أمس، أن عملية "الوعد الصادق 3" "جزء من رد الجمهورية الإسلامية".

الميادين

تحليل القوة الدفاعية الإيرانية؛ ايران لها اليد العليا في معركة محتملة

تحليل القوة الدفاعية الإيرانية؛ ايران لها اليد العليا في معركة محتملة

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها أحد اللاعبين الرئيسيين في المشهد العسكري في منطقة غرب آسيا، تتمتع بمكانة مهمّة في تصنيفات القوّة العسكرية العالمية والآسيوية.

مع اقتراب موعد الجولة الجديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، نشهد باستمرار التصريحات المبالغ فيها لقادة ومسؤولي الكيان الصهيوني المزيّف ضدّ بلدنا. إن هذا الكيان، الذي لديه تاريخ من الفظائع المتعلّقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك قتل الأطفال والجرائم ضدّ الإنسانية، قد صعد الآن التوترات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال التهديد بشن هجوم عسكري على البنية التحتية النووية الإيرانية. ونظرًا لهذه التهديدات وتزايد احتمالات المواجهات العسكرية، فمن الطبيعي أن يطرح العديد من الخبراء والرأي العام السؤال التالي: هل يملك الكيان الصهيوني حقًا القدرة على تدمير البنية التحتية الدفاعية والنووية الإيرانية؟ وما هو الرد الذي سيتلقاه من إيران إذا ارتكبت مثل هذا الخطأ؟ إن هذه المسألة لا تتطلب فقط دراسة متأنية للقدرات العسكرية للأطراف، بل تثير أيضًا الحاجة إلى الاستعداد الإستراتيجي والرد الإيراني المحتمل.

باعتبارها أحد اللاعبين الرئيسيين في المشهد العسكري في غرب آسيا، تتمتع إيران الإسلامية بمكانة مهمّة في تصنيفات القوّة العسكرية العالمية والآسيوية. ورغم القيود الناجمة عن العقوبات ونقص ميزانية الدفاع، فإن بلدنا إيران، بقوته الصاروخية وصناعاته الدفاعية المحلية وموقعه الإستراتيجي الفريد، لا يزال أحد القوى العسكرية في المنطقة والعالم. ولكن ما هي مرتبة إيران بين دول العالم وآسيا، وما هي قوتها الدفاعية والعسكرية؟ وبعد ذلك، سنلقي نظرة تفصيلية على الوضع العسكري الإيراني. تحليل القوّة الدفاعية الإيرانية؛ إيران لها اليد العليا في معركة محتملة عام كامل من "الطائرات من دون طيار" لتجديد أسطول الجيش/ صيانة للأسطول الجوي في عام 2020 وبحسب تقرير المعهد الأميركي GFP (Global Firepower)، الذي يقارن ويصنّف القوّة العسكرية لدول العالم سنويًا، تم الاعتراف بإيران كواحدة من القوى العسكرية في منطقة غرب آسيا في عام 2023. ويظهر هذا التقرير أن إيران تتمتع بمكانة متفوقة ليس فقط على الكيان الصهيوني ولكن أيضًا تفوق على دول مثل المملكة العربية السعودية وباكستان. وتحتلّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية المرتبة السابعة في قارة آسيا الواسعة من حيث الردع العسكري، بينما تحتلّ دول مثل روسيا والصين والهند المراكز من الأول إلى الثالث. وبحسب تقرير المعهد أيضًا فإن إيران متفوقة في مجال القوّة العسكرية ولها اليد العليا على الكيان الصهيوني ودول مثل باكستان والمملكة العربية السعودية
نور نيوز