قراءة أولية للاستراتيجية الدفاعية
تكشف وقائع الحرب التي اندلعت في 28 شباط 2026 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن نمط صراع يتجاوز فكرة الحسم العسكري التقليدي. فبينما تشير التقديرات إلى أن الضربات الجوية والبحرية قد دمّرت ما بين 80% إلى 90% من البنية التحتية الصاروخية والبحرية الإيرانية، وألحقت أضرارًا واسعة بمنظومات الدفاع الجوي ومخازن التسليح، فإن إيران لم تنزلق إلى الانهيار المتوقع، والذي كان يبدو منطقيًا ومرجحًا بالحسابات التقليدية.
لكن على عكس ذلك، فإن النتائج الميدانية لم تتطابق مع الحسابات الأولية للتصعيد العسكري، وتُظهر المعطيات أن طهران أعادت تعريف مفهوم الدفاع والهجوم بقدر من المرونة وتوظيف الأدوات المتاحة، رغم فارق القوة الهائل، ليظهر نموذج للصمود العسكري وقوة الردع رغم ضعف الإمكانيات، وبروز هدف أمريكي بهزيمة ساحقة لإيران وإسقاط النظام، والقيام في سبيل ذلك بهجمات على 2000 هدف، شملت منشآت نووية، وقواعد صواريخ، ومراكز قيادة في أول أسبوع في الحرب.
وفيما يلي قراءة أولية للتكتيكات الدفاعية والأساليب القتالية، وأدوات التأثير، بما في ذلك نموذج إدارة القوات والردع متعدد الأبعاد، وتوزيع القوة، وأسلوب الإدارة عبر تشتيت مراكز القرار، وتحويل الحرب إلى شبكة ممتدة المستويات وموزعة عسكريًا واقتصاديًا، فضلًا عن مستوى الدعاية والتحركات الدبلوماسية وصناعة الصورة التي كانت ضمن أسباب إدانة العدوان.
منظومة الدفاع المتعددة ذات الاستقلالية
برز ضمن الاستراتيجية الدفاعية أسلوب الإدارة والتحرك القائم على شبكات، أقرب إلى نمط غير مركزي، يقوم على تفكيك مركزية القيادة العسكرية لصالح بنية موزعة.
تعتمد إيران على شبكة قيادات إقليمية تابعة للحرس الثوري موزعة على مستوى المحافظات (31 محافظة)، تعمل ضمن درجة من اللا مركزية التشغيلية تسمح باستمرار العمليات حتى عند تعطّل مستويات القيادة المركزية، وتحسبا لسقوط العاصمة طهران. هذا يوضح تعريف لمفهوم القيادة العسكرية في زمن الحرب، في توازي مع بدائل ومجلس سياسي يدير البلاد حال اغتيال القيادة.
هذا النموذج أثبت فعاليته بشكل خاص بعد ضربات شباط 2026 التي استهدفت قيادات عسكرية عليا، إذ لم تؤدِّ عمليات الاستهداف إلى شلل القيادة، بل استمرت الوحدات المحلية في تنفيذ عمليات محسوبة ومنسقة، بما يشير إلى أن “سلسلة القيادة التقليدية” لم تعد عنصرًا حاسمًا في إدارة الحرب الإيرانية، ومعها يسقط الرهان بأن اغتيال أحد القيادات يعني شل عمل الوحدات والكتائب.
هذا يعني عمليًا إعادة هندسة لمفهوم القيادة والتوجيه، ويهدف إلى الحفاظ على قدرة القوات على الاستمرار حتى في غياب المستوى القيادي.
وهو ما يتضح في عدة مؤشرات، منها استمرار العمليات الهجومية بعد استهداف القيادات العليا للجيش والحرس الثوري، وسرعة إعادة تشكيل القيادة لتعويض المراكز الخالية، ما يعني وجود نظم اتصال سريعة في ذات الوقت أو خطط معدة مسبقًا ضمن تسلسل القيادة وعملية الإحلال الطارئ، وهذا شمل قيادة الحرس الثوري والمخابرات.
وشملت الضربات منذ بداية الحرب قيادات، بينها رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده، إضافة إلى شخصيات أمنية ومؤسساتية أخرى ضمن بنية القرار العسكري.
الجغرافيا كسلاح: الهضبة والممرات والجبال
إلى جانب إعادة هيكلة القيادة، لعبت الجغرافيا الإيرانية دورًا محوريًا في تعزيز القدرة على الصمود، فالتضاريس الجبلية المعقدة، خصوصًا سلاسل زاجروس وألبرز، وفرت لإيران ما يشبه “درعًا طبيعيًا” يحدّ من فاعلية التفوق الجوي، ويجبر أي قوة مهاجمة تريد الاستيلاء على الحكم أو تغييره على التفكير في كيفية خوض عمليات برية في ممرات ضيقة عالية الخطورة، وتعد كمائن طبيعية وبيئة قتالية صعبة دون مشاة.
هذه الطبيعة التقت مع التنبه إلى المخاطر وكيفية توظيفها كحصن طبيعي، حيث وظفت طهران طبيعة الهضبة المركزية لإنشاء شبكات أنفاق عسكرية متقدمة، ومجمعات ومواقع إطلاق صواريخ محصنة ضد القصف العميق، وتسمح بإعادة التموضع السريع. وحتى مع اكتشاف بعضها، فإن تدميرها وشل فاعليتها لا تكفي له الطائرات، وسيبقى جزء منها يعمل بشكل جزئي، هذا إذا وُجدت خرائط كاملة لهذه التحصينات.
وضمن الجغرافيا، وعلى المستوى الاستراتيجي الأعم والأكثر تأثيرًا عالميًا، فإن السيطرة على مضيق هرمز تحولت إلى أداة ضغط عالمي، إذ كان التلويح بالإغلاق ثم تنفيذ التهديد، يعني تعطيل ممر يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، ما يجعل أي تصعيد عسكري مرتبطًا مباشرة باستقرار أسواق الطاقة الدولية، ومواقف المنتجين والموردين والمستوردين، بل ومستقبل الاقتصاد العالمي.
وكان يمكن أن يُرى المضيق كنقطة ضعف عسكري، تحتاج تحصينًا ودفاعات لصد الهجوم، لكنه استُخدم بذاته كنقطة هجوم اقتصادي وعسكري، وكان حاسمًا وما زال، سواء في عملية الردع أو في مفاوضات تراوح مكانها بشأن مستقبله وكيفية إدارته ومرور السفن حال انتهاء الحرب والوصول إلى تسوية.
محور المقاومة: شبكة متصلة تتحرك ذاتيا
نظرًا للضغوط على إيران، تحولت العلاقة مع حلفائها من دون الدول من نموذج القيادة الهرمية إلى ما يشبه الشبكة العصبية: تفاهمات وتحرك مشترك ضمن الأطر المتفق عليها، مع قدرة على الاستجابة الذاتية لكل جبهة.
وحتى توفير السلاح، جرى تعديل أساليبه للتغلب على الرصد والمراقبة وأساطيل السفن، واستخدمت طرق التجميع المحلي عبر نقل مكونات السلاح، ويجري تركيبها في ساحات العمليات داخل اليمن ولبنان باستخدام تقنيات تصنيع.
وفي الوقت نفسه، تتخذ نمط إدارة احتياطي؛ حال انقطاع الاتصال بالمركز أو القيادة، تنتقل الوحدات والكتائب إلى تنفيذ سيناريوهات هجومية مسبقة، وهو ما جعل استراتيجية “قطع الرأس” الأمريكية والإسرائيلية والاغتيالات أقل فاعلية في شل هذه المنظومات، كما في نموذج حزب الله، والذي تصور الجميع أن أسلحته وقيادته غير قادرة على الدخول في مواجهة مع إسرائيل.
التحول البحري: من الأساطيل الثقيلة إلى حرب الاستنزاف
أصيب السلاح البحري الإيراني ووحداته بخسائر كبيرة، فقد فقدت البلاد وحدات بحرية رئيسية، بينها منصات متقدمة وناقلات مسيّرات، لكن وبحكم الحصار فإن سلاح البحرية لم يكن عالي التقنية وقويًا، ومع خسارة أغلب القطع الكبيرة، اعتمدت إيران على أسراب من القوارب السريعة الرخيصة المسلحة بصواريخ قصيرة المدى، تعمل في هجمات متزامنة لإرباك الدفاعات البحرية المتقدمة، ورغم بساطة هذه الأسلحة إلا أنها قادرة على إحداث خسائر، فضلًا عن المناورة والهرب وسهولة الاختباء والتخزين.
إلى جانب ذلك، طورت إيران استخدام الألغام الذكية القادرة على البقاء خاملة تحت الماء لفترات طويلة والتفاعل مع البصمات الصوتية للسفن المعادية، إضافة إلى قوارب شبه غاطسة، يصعب رصدها، وهو ما يزيد الارتباك بشأن مرور ناقلات حربية أو سفن، قد تواجه قاربًا انتحاريًا، يحدث فيها إصابات مكلفة في دقائق محدودة.
من هذه النقطة كان عمل البحرية ذات الإمكانيات البسيطة يتمثل في رفع تكلفة الحركة البحرية للخصم، وجعل اتخاذ قرار الهجوم خاضعًا للتردد بناءً على حالة عدم اليقين.
الصواريخ والدرونات: الضرب ثم الاختفاء وإعادة الترميم
في البر لا تزال الصواريخ الباليستية والدرونات الانتحارية مثل “شاهد- 136 و238” تمثل العمود الفقري للقدرة الإيرانية على الردع، واستخدم تكتيك “الضرب والفرار”، حيث تنطلق منصات متحركة من الجبال؛ لتنفيذ ضربات سريعة، ثم تعود للاختباء محاولة تجاوز الرصد عبر الأقمار الصناعية.
وتشير تقديرات إلى أن بعض المواقع التي استُهدفت لم يُقض على ما فيها من مخزون أسلحة، كما جرى ترميم بعض ما أُصيب من أجهزة دفاع جوي.
ورغم الحصار، إلا أن إيران استفادت من تطوير تقنية الاستهداف وزيادة الدقة؛ لتحقيق الأهداف الهجومية وتعزيز الردع أحيانًا، برسالة القدرة على الوصول بدقة حتى مع توخي إحداث ضرر جسيم، وهو ما يظهر في نمط بعض الهجمات على دول الخليج، في رسالة مفادها: نستطيع الوصول إلى الأهداف، لكن لا نسعى إلى التدمير، وهو ما جعل الاتجاه نحو الانخراط في الحرب ضد إيران من دول الخليج له ألف حساب.
هذا بجانب قدرة إيران في عشرات المرات على تجاوز أنظمة دفاع جوي متقدمة مثل القبة الحديدية والباتريوت في إسرائيل.
الحرب السيبرانية والدعم والتعاون مع الشركاء
على مستوى موازٍ، تحولت الحرب السيبرانية إلى ساحة اشتباك، وشنت مجموعات عددًا من العمليات التي استهدفت بنى مدنية حساسة ضمن حسابات الردع، إلى جانب تقنيات أخرى، شملت محاولات التشويش على حركة الملاحة البحرية لمئات السفن خلال ساعات قليلة، وأحدثت حالة من الفوضى في الممرات الحيوية.
وحتى ومع بُعد روسيا والصين عن الانخراط بشكل مباشر، وبدور مرئي، لكن في مواجهة التفوق الغربي تلقت إيران دعمًا تكنولوجيًا من البلدين، بما في ذلك ما هو أقدم من الحرب، ويخص الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد للطائرات الأمريكية المتقدمة، ودعم نظم الملاحة الذي يساهم في دقة الاستهداف وكشف المواقع، بالتزامن مع تبادل معلومات استخباراتية ترتبط بالأهداف والمواقع والثغرات.
وهناك تقارير عن تزويد روسيا لإيران بأنظمة S -400 ورادارات لرصد طائرات التخفي مثل F -35ودعم صيني لأنظمة اتصال وتوجيه.
من الحرب إلى الاستنزاف طويل الأمد
إجمالًا، يمكن القول إن إيران رفعت التكلفة على المعتدين، إسرائيل وأمريكا، وأن الحسابات لديها لم تكن بمنطق تقليدي (انتصار مقابل هزيمة)، وسعت لتحقيق الصمود في معركة طويلة، دون أن يسقط نظامها، مع اتباع أسلوب الاستنزاف طويل الأمد الذي يحد من استمرار العدوان.
ورغم الخسائر التي لا يُستهان بها، فإن ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل واسعة النطاق، لم تقضِ على البنية العسكرية الإيرانية ولم تُفكك بالكامل، كما كان مخططًا لها في تصور يماثل نموذج العراق، واستطاع الإيرانيون عبر أساليب متعددة، وشبكة إدارة غير مركزية، وتوظيف الجغرافيا، البقاء وتحقيق قدر من الردع أيضًا، بما يجعل استكمال الحرب بعد الهدنة المؤقتة خيارًا، ليس سهلًا على واشنطن.
مصر 360

