تعطل معدات أمريكية في إيران خلال الهجوم.. هل يكشف ثغرات خطيرة في أمن الشبكات؟

تعطل معدات أمريكية في إيران خلال الهجوم.. هل يكشف ثغرات خطيرة في أمن الشبكات؟

أثار تعطل مفاجئ في معدات اتصالات خلال الهجوم على أصفهان موجة تساؤلات واسعة حول أمن البنية التحتية الرقمية، خصوصاً مع ارتباط هذه الأعطال بأجهزة من شركات أمريكية مثل سيسكو وفورتينت وجونيبر.

وبحسب تقارير إعلامية صينية، فإن الأعطال حدثت بشكل متزامن تقريباً، ما أدى إلى خروج أنظمة اتصالات عن الخدمة في توقيت حساس، وهو ما دفع خبراء إلى طرح عدة فرضيات لتفسير ما جرى.

تشير إحدى الفرضيات إلى احتمال وجود «أبواب خلفية» داخل هذه الأجهزة، تسمح بالوصول إليها أو تعطيلها عن بُعد، حتى دون اتصال مباشر بالإنترنت. فرضية أخرى تتحدث عن إرسال حزم بيانات خبيثة من داخل الشبكة نفسها، ما قد يؤدي إلى انهيار الأنظمة بشكل مفاجئ.

كما يطرح خبراء احتمال وجود برمجيات خبيثة كامنة منذ فترة طويلة داخل هذه الأجهزة، لا تُفعّل إلا عند تلقي إشارة معينة، لتتحول إلى ما يشبه «شبكة زومبي» قادرة على تعطيل الأنظمة بشكل منسق. وهناك أيضاً سيناريو يتعلق بما يُعرف بـ«سلسلة الإمداد»، أي أن التلاعب قد يكون حدث قبل وصول الأجهزة إلى المستخدم النهائي.

هذه الاحتمالات، سواء ثبتت أو بقيت في إطار التحليل، تسلط الضوء على نقطة حساسة وهي: اعتماد الدول على معدات تقنية مستوردة في قطاعات حيوية مثل الاتصالات.

ويشير محللون إلى أن الحادثة تعزز الجدل حول مفهوم «الاستقلال الرقمي»، إذ تصبح السيطرة على التكنولوجيا – من التصنيع إلى التشغيل – جزءاً من الأمن القومي، وليس مجرد خيار اقتصادي.

كما تدفع هذه التطورات إلى إعادة تقييم سياسات الأمن السيبراني، خصوصاً في الدول التي تعتمد بشكل كبير على بنى تحتية خارجية، في وقت تتزايد فيه الهجمات الرقمية وتعقيداتها.

في ظل هذا المشهد، لم يعد الخطر مقتصراً على الهجمات التقليدية، بل امتد إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تبدأ من داخل الأجهزة نفسها، وتظهر في اللحظة الأكثر حساسية.

عكاظ

اختناق مضيق هرمز.. كيف يهدد موائد العالم؟

اختناق مضيق هرمز.. كيف يهدد موائد العالم؟

بينما ينشغل العالم بارتفاع أسعار النفط، تحذر وكالات الأغذية من خطر أعمق يبدأ في الحقول نفسها، لأن الزراعة الحديثة لا تقوم على الماء والبذور وحدهما، بل على تدفق مستقر للأسمدة والطاقة والشحن في التوقيت الصحيح.

وهنا تحديدًا يظهر هرمز ليس فقط بوصفه ممرًا للنفط، بل شريانًا يمر عبره جزء كبير من الأسمدة والغاز اللازمين لإنتاجها. ومع إغلاق وحصار المضيق بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، لم تعد المسألة مجرد كلفة طاقة أعلى، بل خطر يهدد مواسم الزراعة ويرفع أسعار الغذاء.

فالأسمدة النيتروجينية المنتجة في الخليج، وعلى رأسها اليوريا، تعتمد على الغاز الطبيعي كمادة خام وكلفة إنتاج أساسية، فيما يمر عبر هرمز ما يقرب من ثلث تجارة اليوريا العالمية، إلى جانب جزء مهم من تجارة المدخلات الزراعية والطاقة.

لذلك فإن أي تعطيل طويل للمضيق لا يرفع أسعار الشحن والنفط فقط، بل يصيب حلقة التسميد في قلبها، ويفتح الباب أمام تراجع الاستخدام، ثم تراجع الغلة الزراعية نفسها.

ما علاقة هرمز؟

تبدأ السلسلة من الطاقة، فصناعة الأسمدة النيتروجينية شديدة الاعتماد على الغاز الطبيعي، الذي قد يمثل ما يصل إلى 70% من كلفة الإنتاج.

ومع تعطل الملاحة في هرمز وضرب منشآت الطاقة، توقفت أو تقلصت إمدادات الغاز في عدد من المرافق، وانعكس ذلك على إنتاج الأسمدة في الخليج وخارجه.

وبدل أن تبقى الصدمة في البحر، انتقلت مباشرة إلى مصانع اليوريا والأمونيا، ثم إلى المزارعين الذين دخلوا موسم الزراعة وسط سوق شحيحة أصلاً بسبب قيود التصدير الصينية وتراجع الطاقة الإنتاجية في أوروبا بعد فقدان الغاز الروسي الرخيص.

ولهذا لم يكن الارتفاع في الأسعار تفصيلًا ثانويًا، ففي أوروبا ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية إلى نحو 58% فوق متوسط 2024، بينما قفزت أسعار اليوريا في الأسواق بسرعة، وتجاوزت العطاءات الهندية في نيسان/نيسان نحو ألف دولار للطن، أي قرابة ضعف مستويات قبل شهرين فقط.

انخفضت الملاحة في مضيق هرمز بنسبة 95 ٪ بعد الحرب على إيران
انخفضت الملاحة في مضيق هرمز بنسبة 95 ٪ بعد الحرب على إيران

كما قفزت كلفة التأمين الحربي على السفن في بعض الحالات من 0.25% إلى 3% من قيمة السفينة، ما أضاف عبئًا جديدًا على النقل والتسليم. والنتيجة أن الشحن لم يصبح أغلى فقط، بل أبطأ وأكثر انكشافًا للمخاطر في لحظة زراعية لا تحتمل التأخير.

وتكمن الخطورة في أن الزراعة لا تستجيب للأزمة بالطريقة نفسها التي تستجيب بها أسواق الطاقة، فالمزارع يستطيع أحيانًا تحمل زيادة مؤقتة في السعر، لكن لا يمكنه تعويض نافذة تسميد أو زراعة ضائعة إذا وصل السماد متأخرًا.

لهذا، حذرت منظمة الأغذية العالمية “الفاو” من أن الأزمة المطولة في هرمز قد تتحول إلى كارثة زراعية-غذائية، لأن البلدان الأفقر والأكثر اعتمادًا على نوافذ زراعة ضيقة لا تملك رفاهية الانتظار أو شراء مدخلات بديلة مرتفعة الثمن.

من أسرع المتأثرين؟

التأثر العالمي غير متساوٍ، فقد أشارت وكالة التجارة الدولية إلى أن الاعتماد الأعلى على الأسمدة النيتروجينية القادمة من الخليج يظهر بوضوح في دول آسيوية وإفريقية مثل كينيا وأوغندا وجنوب إفريقيا وتايلاند وسريلانكا، أي بمناطق يكون فيها أي تأخر بالإمداد أخطر من مجرد زيادة في الكلفة.

في المقابل، أظهرت دراسة من جامعة إلينوي/مركز NDSU أن اقتصادات زراعية كبيرة مثل أستراليا والبرازيل شديدة التعرض أيضًا، مع اعتماد واضح على واردات اليوريا المارة عبر هرمز، بينما تبدو الولايات المتحدة أقل تعرضًا بفضل قاعدة إنتاج محلية أقوى، وإن لم تكن محصنة بالكامل.

ولهذا تبدو المحاصيل النيتروجينية أول من سيتلقى الضربة: الذرة والقمح والأرز، لأن اليوريا تمثل أكثر من نصف استخدام الأسمدة النيتروجينية عالميًا.

الحرب على إيران قد تعطل حصة ضخمة من سوق الأسمدة العالمي
الحرب على إيران قد تعطل حصة ضخمة من سوق الأسمدة العالمي

وينعكس كل تأخر في الإمداد أو كل خفض في الكمية المستخدمة على هذه المحاصيل تحديدًا، وهو ما يفسر بدء بعض المزارعين في أمريكا اللاتينية التفكير في التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للنيتروجين.

كما يفسر هذا الأمر القلق المتزايد في جنوب آسيا وشرق إفريقيا، حيث لا توجد مخزونات كبيرة ولا بدائل قريبة يمكن أن تصل في الوقت المناسب.

ولا تقف القصة عند اليوريا وحدها، فمرور كميات كبيرة من الكبريت والمواد المرتبطة بإنتاج الفوسفات عبر الخليج يعني أن الضغط قد يمتد إلى سلسلة أسمدة أخرى إذا طالت الأزمة.

ما حجم الخسارة؟

يكمن الخطر الأكبر في زمن الإمدادات، فإذا وصل السماد بعد انتهاء نافذة الزراعة، فلن تستطيع المحاصيل الاستفادة منه، وسيفضّل المزارعون تقليل الجرعات أو تغيير التركيبة المحصولية.

ويحذر البنك الدولي من أن خسارة نسبة صغيرة من إمدادات السماد يمكن أن يقلص الغلة بنسبة مضاعفة بسبب العلاقة غير الخطية بين السماد والإنتاج.

المؤشرات العملية بدأت تظهر كالتالي:

  • نقص اليوريا دفع مزارعي أمريكا اللاتينية إلى تخطي زراعة الذرة الثانية، فيما يواجه المزارعون الأفارقة “نافذة حرجة” قد تؤدي إلى خسائر كبيرة.
  • في أوكرانيا، يعمل المزارعون على تقليص المساحات المزروعة ورفع أسعار منتجاتهم، متوقعين انخفاض الإنتاج بنسبة 5 % إلى 10 % هذا الموسم.
  • ارتفاع سعر الديزل أدى إلى تراجع استخدام الآلات، ما يهدد بتأخير الحصاد.
  • إغلاق المصانع في الخليج أدى إلى نقص العرض العالمي، بينما يدرس بعض المنتجين الصغار في بنغلادش وباكستان استبدال محاصيل الحبوب بمحاصيل أقل احتياجًا للنيتروجين مثل العدس أو البقوليات، ما سيؤثر في مزيج الحبوب في العام المقبل.
  • الزيادة الحادة في أقساط التأمين وتكاليف الشحن تعني أن الشحن عبر طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح سيستغرق وقتًا أطول، ما يحول ارتفاع الأسعار إلى نقص فعلي في التوفر.
اختناق هرمز أثر على تصدير الأسمدة والكيماويات ورفع تكاليف الزراعة والإنتاج
اختناق هرمز أثر على تصدير الأسمدة والكيماويات ورفع تكاليف الزراعة والإنتاج

وأمام ذلك، يخطط الاتحاد الأوروبي لبرنامج منح وإعانات يغطي حتى 50 % من التكاليف الإضافية للأسمدة والوقود. أما الهند فقد رفعت دعم الأسمدة بنسبة 11.6 % لحماية المزارعين،

بدورها، تمتلك الصين مخزونات كبيرة وتعتمد على إنتاج الفحم المحلي، لكنها قد تقلص صادراتها بعد موسم الربيع، ما يعني أن دورها محدود. كما أن الاعتماد الكبير للولايات المتحدة على الإنتاج المحلي يخفف الضغط داخليًا، رغم احتمال ارتفاع الأسعار.

وأعلنت الأمم المتحدة عن مبادرة لفتح ممر آمن للسفن المحملة بالأسمدة عبر هرمز، لكنها ما زالت في مرحلة التصميم. ورغم هذه الجهود، لا يمكن تعويض توقيت الزراعة الضائع، فقد حذرت الفاو من أن طول الأزمة سيحدد الفرق بين تضخم غذائي وخسارة غلات فعلية.

وإذا أُعيد فتح المضيق في الأسابيع المقبلة، ستبقى الآثار محدودة في ارتفاع الأسعار، ويمكن للمخزونات والأسواق البديلة سد الفجوة.

أما إذا استمرت الأزمة لأشهر، فإن انخفاض الاستخدام سيقلل الغلات في موسم 2026 – 2027، ما سيؤدي إلى نقص حقيقي في المعروض العالمي ودفع ملايين إضافية إلى انعدام الأمن الغذائي.

نون بوست

حرب إيران بين أرباح “الأسلحة الفاخرة” وقلق مخزون صواريخ الدفاع الأمريكي

حرب إيران بين أرباح “الأسلحة الفاخرة” وقلق مخزون صواريخ الدفاع الأمريكي

وسط الحرب الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 آذار 2026 رؤساء كبرى شركات السلاح الأمريكية في البيت الأبيض. وكان من بين هذه الشركات "آر تي إكس كوربريشن" (ريثيون سابقاً) و"لوكهيد مارتن" و"بوينغ" و"نورثروب غرومان" و"بي إيه إي سيستمز" و"إل 3 هاريس تكنولوجيز" و"هانيويلر". بعد الاجتماع أعلن ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال" أنهم خرجوا من الاجتماع بتعهّد جماعي: "مضاعفة الإنتاج أربع مرات" لفئة ما وصفه "الأسلحة الفاخرة". يعني صواريخ الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد" والصواريخ الجوالة مثل "توماهوك"، والمنظومات الجوية والبحرية التي تُستخدم في قصف إيران وحماية القواعد الأمريكية في المنطقة.

كذلك كشف ترامب أن خطط التوسعة بدأت قبل الاجتماع بنحو ثلاثة أشهر، وأن ولايات أمريكية عدة تتنافس على استضافة المصانع الجديدة، بما يفتح أمام هذه الشركات آفاق أرباح مستقبلية هائلة.

انتعشت أسهم غالبية شركات السلاح الأمريكية في سوق الأسهم "وول ستريت" خلال الحرب مع إيران. ودعمت معركة اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية في الشرق الأوسط باستخدام منظومات دفاعٍ جوي متنوعة سوقاً صناعية وعسكرية كاملة تدور فيها مليارات الدولارات بما يمكن تسميته "اقتصاد الاعتراض". فكل صاروخ يُطلق لاعتراض تهديد جوي لا يستهلك مخزوناً عسكرياً وحسب، بل يُفعّل أيضاً سلسلة إنتاج تمتد من الرادارات ومنظومات القيادة والسيطرة إلى صواريخ الاعتراض نفسها وما يرتبط بها من عقود صيانة وتحديث وتوسعة. ومع تعمق الاستنزاف في وسائل الدفاع الجوي، يزداد الطلب عليها وتتوسع عجلة الإنتاج وأرباحها. وكذا يُفتح الباب أمام أساليب تفكير جديدة في سُبل اعتراض أنجع وأسرع انتاجاً وأقل تكلفة، مع بقاء المكسب الاقتصادي دافعاً محورياً.


في آذار 1983 ظهر الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، على شاشة التلفزيون من المكتب البيضاوي، بربطة عنق داكنة ونبرة واثقة مألوفة في خطابات الحرب الباردة. وما قاله تلك الليلة كان أبعد من خطاب تعبئة تقليدي. فبعد استعراض خطر الترسانة السوفييتية ومنطق "الردع النووي"، توقّف لحظة وسأل الأمريكيين: "أليس من الأفضل أن ننقذ الأرواح بدلاً من أن نثأر لها؟".

بهذا طرح ريغان رؤيته لمشروع دفاعي واسع، يهدف إلى تطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية السوفييتية قبل أن تبلغ الأراضي الأمريكية أو أراضي الحلفاء. وهو ما أسفر عما عرف لاحقا باسم "مبادرة الدفاع الاستراتيجي"، المشروع الأمريكي الذي وصفه الإعلام آنذاك بمصطلح "حرب النجوم"، وهو اسم سلسلة أفلام خيال علمي أمريكية. وقد مثّل هذا المشروع مرحلة جديدة في سباق التسلح وفتحَ مساراً جديداً لاستثمار حكومي طويل الأمد لدعم برامج الدفاع الصاروخي مالياً وتقنياً، أثمر لاحقاً منظومات مثل باتريوت وثاد المنتشرة اليوم في دول كثيرة، منها ألمانيا وبولندا وكوريا الجنوبية وتايوان ودول الخليج وإسرائيل.

وعلى ما بدا عليه من أهمية، لم يأتِ خطاب ريغان تصوراً جديداً ضمن سباق التسلح أثناء الحرب الباردة. فالجيش الأمريكي كان قد بدأ في منتصف الستينيات مشروع دفاع جوي طورته شركة "ريثيون"، أطلق عليه آدز‑سفِنتي (اختصاراً لمصطلح "منظومة الجيش للدفاع الجوي"). تحول لاحقاً إلى برنامج "سام‑دي" بإدارة مركز الصواريخ في قاعدة ريدستون بولاية ألاباما جنوب شرق الولايات المتحدة. وكان هدفه محاولة تطوير نظامٍ قادرٍ على حماية القوات والمنشآت من الطائرات المقاتلة المتقدمة، ومختلف التهديدات الجوية التي كان متوقعاً ظهورها في السبعينيات والثمانينيات.

اختيرت شركة ريثيون منفذاً رئيساً لهذا المشروع سنة 1967، ليدخل البرنامج بعد ذلك مرحلة تطوير طويلة شهدت أول إطلاق تجريبي لصاروخ سام-دي سنة 1969. تبع ذلك سلسلة من الاختبارات في ميدان وايت ساندز، وهي منطقة شاسعة مخصصة لاختبار الصواريخ والأسلحة والتقنيات العسكرية في ولاية نيو مكسيكو، أظهرت قدرة النظام على تتبع أكثر من هدف والعمل في بيئة تشويش إلكتروني. وقد ظل "سام-دي" في تلك المرحلة مشروعاً للدفاع الجوي الميداني، لا لبناء درع صاروخي استراتيجي واسع لاعتراض الصواريخ الباليستية العابرة القارات. أي أن المشروع كان يتحرك حتى منتصف السبعينيات داخل منطق الدفاع، لا ضمن الرؤية الأشمل التي طرحها رونالد ريغان لاحقاً.

ثم في كانون الثاني 1976، بعد سلسلة اختبارات ناجحة على مفهوم التوجيه عبر الصاروخ، أعاد البنتاغون إطلاق المشروع في مسار تطوير كامل، ومنحه اسماً جديداً هو "باتريوت" (وطني). قد حمل الاسم دلالة سياسية ورمزية، إذ أرادت الإدارة الأمريكية تقديمه نظاماً دفاعياً حديثاً لحماية القوات الأمريكية وحلفائها في أجواء الحرب الباردة. وبذلك كان الأساس التقني لباتريوت قد بدأ يتشكل قبل سنوات من خطاب ريغان، وإن منح ريغان برامجَ الدفاع الصاروخي الأمريكية زخماً سياسياً وتمويلاً أوسع.

في تشرين الأول 1980 حصل البرنامج على عقد إنتاج محدود، ثم تسلم الجيش الأمريكي أول صاروخ باتريوت في كانون الأول 1981، قبل أن يفعّل أول كتيبة تشغيلية في أيار 1982. وبعد اجتياز اختبارات تشغيلية مهمة في 1984، أوصى الجيش الأمريكي بنشر المنظومة في أوروبا. بعدها بنحو عام، أصبحت أول كتيبة باتريوت أمريكية في أوروبا، تحت قيادة الدفاع الجوي الثاني والثلاثين في ألمانيا، جاهزة للعمل بعد تقييم الناتو. وفي الوقت نفسه، كانت تحديثات "باك-1" و"باك-2" لباتريوت قيد التطوير لتوسيع مهام المنظومة، بحيث لا تبقى مقتصرة على الدفاع ضد الطائرات، بل تتجه تدريجياً نحو أداء دور أكبر في مواجهة التهديد الصاروخي. وهو المسار الذي بلغ ذروته مع نهاية الحرب الباردة نهاية الثمانينيات وبعدها، حين تحولت باتريوت من منظومة دفاع جوي تقليدية إلى أحد أعمدة الدفاع الصاروخي الأمريكي.

ومع غزو العراق الكويتَ صيف 1990، تحولت السعودية إلى قاعدة رئيسة لحشد القوات الأمريكية استعداداً لتحرير الكويت، فيما تصاعدت المخاوف من استخدام صواريخ سكود العراقية ضد القواعد والتجمعات العسكرية والمدن الخليجية. لذا نُقلت منظومة باتريوت على عجل إلى منطقة الخليج بعد دخول تحديثاتها الجديدة الخدمة. وبعد أشهر قليلة، تحديداً في 18 كانون الثاني 1991، اعترضت المنظومة صاروخ سكود عراقي فوق السعودية، في سابقة قدمها الجيش الأمريكي أول نجاح لنظام دفاع جوي ضد صاروخ باليستي معادٍ.

غير أن المنظومة واجهت اختباراً قاسياً في 25 شباط 1991، حين فشلت في اعتراض صاروخ سقط على ثكنة عسكرية قرب الظهران شرق السعودية، ما أسفر عن مقتل ثمانية وعشرين جندياً أمريكياً وإصابة العشرات. وقد هزّ الحادث واشنطن، وفُتح على الأثر تحقيق عاجل مهّد لمرحلة طويلة من الإنفاق المكثف على تطوير النظام، الذي ظل مع ذلك يتحول تدريجياً من مشروع دفاع جوي إلى ركيزة أساس في بنية الدفاع الصاروخي الأمريكي.

أطلق الجيش الأمريكي بعدها برنامج "الاستجابة السريعة" لإدخال تعديلات عاجلة على الرادار والبرمجيات استناداً إلى الدروس التي تعلمها في الحرب. ثم اتجه الأمريكيون منتصف التسعينيات إلى تطوير صاروخ "باك-3"، اعتماداً على تقنية "إرينت" المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعد أن بدأ الجيش الأمريكي تطويرها نهاية الثمانينيات.

وعبر هذه المسيرة الممتدة ثلاثةَ عقود، تحول باتريوت من نظام مضاد الطائراتِ إلى عنصر رئيس في منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات، يعمل في المدى والارتفاع المنخفض. وفي المقابل برزت الحاجة إلى طبقة أعلى لاعتراض الصواريخ في مراحل متقدمة من مسارها، وهو ما أدى إلى تطوير منظومة "ثاد".

وكانت المنظومة قد بدأت اقتراحاً أواخر الثمانينيات، ثم في 1990 قدم الجيش الأمريكي طلباً رسمياً لتطوير نظام قادر على اعتراض الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في الطبقة العليا من الغلاف الجوي. وبعد نحو عامين، اختيرت شركة لوكهيد مارتن منفذاً رئيساً لإنتاج ثاد، قبل أن تنجح أول اختبارات الاعتراض الفعلية في أواخر التسعينيات، ويدخل النظام مرحلة التطوير الإنتاجي مطلع الألفية. ثم بدأ نشر بطاريات المنظومة في مواقع حساسة حول العالم سنة 2008، من كوريا الجنوبية إلى بعض دول الخليج، وصولاً إلى أول استخدام قتالي ناجح للنظام عندما اعترض صاروخاً باليستياً حوثياً فوق إمارة أبوظبي سنة 2022.

هكذا باتت منظومة ثاد الطبقة الأعلى التي تُكمّل السلم الطبقي للدفاعات، وتحول التصور الدفاعي الذي طرحه ريغان مطلع الثمانينيات إلى منظومة دفاعية متكاملة تتجسد في الحرب الأخيرة في مظلات الاعتراض الكثيفة فوق دول المنطقة  منذ نهاية شباط 2026. وقد أعادت صواريخ إيران ومسيراتها في هذه الحرب اختبار الشبكة الدفاعية وأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة.


تبدو خريطة الدفاع الجوي في بعض دول الخليج اليوم شبكة طبقية متداخلة. إذ تشكّل منظومة باتريوت العمود الفقري للمنظومة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين، حيث تتمركز البطاريات حول العواصم والقواعد الجوية وحقول النفط. بينما تضيف ثاد طبقة اعتراض أعلى فوق السعودية والإمارات وقطر بمواقع قريبة من قواعد رئيسة، مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية ومحيط أبوظبي والدوحة. وتدعم هذه المنظومات رادارات إنذار مبكر بعيدة المدى، موزعة بين الأردن وقطر والسعودية والإمارات، تعمل على رصد التهديدات الجوية من مسافات بعيدة وفي وقت مبكر ومن ثم إرسال بياناتها إلى بطاريات ثاد وباتريوت الأمريكية والخليجية المنتشرة في القواعد الكبرى لتوجيه عملية الاعتراض.

وخلف هذا المشهد المزدحم بالصواريخ والرادارات، يبرز جانب من التكامل الدفاعي مع إسرائيل، باعتبار أنّ منظومات الدفاع أمريكية الصنع. وبحسب تقارير صحفية ووثائق مسربة، منها ما نشره الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست في تشرين الأول 2025، تبدو إسرائيل جزءاً من هذه المظلة الأمريكية عبر شبكتها الرادارية ومنظوماتها الدفاعية المرتبطة بالقيادة الأمريكية. وبحسب المعلن، تستضيف إسرائيل بطارية ثاد أمريكية واحدة نُشرت في تشرين الأول 2024 ويشغلها جنود أمريكيون. وتذكر تقارير إسرائيلية نشر بطارية أمريكية ثانية في نيسان 2025.

أما منظومات باتريوت التي شغلّتها إسرائيل عقوداً، فقد أُخرجت من الخدمة سنة 2024 ضمن خطة لاستبدالها بالشبكة الإسرائيلية الأحدث متعددة الطبقات، وفي مقدمتها "مقلاع داود" في الطبقة الوسطى، و"آرو 2" و"آرو 3" في الطبقة العليا. هذا إلى جانب "القبة الحديدية" للتهديدات قصيرة المدى والمسيّرات.

ومع تنوع هذه الأنظمة إلا أن جوهر المظلة الدفاعية الإسرائيلية لا يكمن في الصواريخ نفسها، بل في شبكات الإنذار المبكر ومنظومات القيادة والسيطرة التي تربط الطبقات المختلفة وتحدد شكل الاشتباك مع التهديدات ووقته. يُظهر هذا تقاطعاً  عربياً إسرائيلياً خرج إلى العلن تدريجياً في السنوات الخمس الأخيرة.

ففي سنة 2021 دفع وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس إلى إنشاء برنامج تعاون دفاعي مع البنتاغون، يهدف إلى ربط إسرائيل بعدد من الدول العربية ضمن شبكة دفاع جوي مشتركة تعمل تحت المظلة الأمريكية. وبعد عام واحد، أعلن غانتس دخول هذا البرنامج حيّز التشغيل، مشيراً إلى نجاحه في إحباط محاولات هجوم إيرانية على إسرائيل ودول أخرى، في أول إقرار علني بوجود هذا التنسيق. وأعرب غانتس آنذاك عن أمله في أن تفضي زيارة الرئيس جو بايدن إلى السعودية في تموز 2022 إلى توسيع هذا التحالف الإقليمي، بحيث يشمل السعودية أيضاً تحت مظلة دفاع جوي أوسع تقودها واشنطن.

وبحسب تحقيق الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، استناداً إلى وثائق صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية، تعمل في المنطقة بنية تعاون أمني إقليمي تقودها واشنطن وتضم إلى جانب إسرائيل عدداً من الدول العربية، بينها قطر والسعودية والإمارات والبحرين. يشكل الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية أحد محاوره الرئيسة. 

ويُشار إلى هذا التعاون في الصحافة الأمريكية والإسرائيلية أحياناً باسم "تحالف الدفاع الجوي في الشرق الأوسط"، أو اختصاراً "ميد". والفكرة الجوهرية في هذه المنظومة ليست إنشاء قيادة موحّدة علنية، بل ربط الرادارات والمستشعرات ومنظومات الاعتراض العربية والإسرائيلية رقمياً عبر منصّات القيادة الأمريكية، خاصة في القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم". إذ تُدمج بيانات الإنذار المبكر في "مشهد إنذار مبكر مشترك" تُستخدم لاكتشاف أي صواريخ أو طائرات مسيّرة في أسرع وقت ممكن.

يعني ذلك أن راداراً في دولة خليجية أو الأردن أو إسرائيل قد يلتقط التهديد أولاً، فيشارك إحداثياته آنياً مع باقي الشركاء عبر وصلات بيانات مؤمنة. ثم تتولى كل دولة، أو بطاريات أمريكية متمركزة في أراضيها، قرار الاعتراض من داخل مجالها الجوي.

ومع الطابع غير المعلن لهذا التعاون، إلا أن مؤشرات متعددة كشفت عن ملامحه. من بينها مقال المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، نشره معهد واشنطن في أيلول 2022. كشف شينكر أن هذا المسار تطور في صورة تعاون أمني إقليمي تدعمه الولايات المتحدة يشمل تبادل معلومات الرادار وتكامل طبقات الدفاع الصاروخي والتمارين المشتركة ومبيعات معدات إسرائيلية لبعض دول المنطقة.

فوفق بيانات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تسلّمت الإمارات في 2022 منظومتين من طراز "سبايدر-إم آر" من إسرائيل، إلى جانب مئة وخمسين صاروخ "ديربي" ومئة وخمسين صاروخ آخر من طراز "بايثون 5". وهما صاروخان اعتراضيان تقوم عليهما عائلة "سبايدر" التي طورتها شركة رفائيل الإسرائيلية. وهو ما قد يعزز فرضية دخول دفاعات جوية إسرائيلية إلى الخدمة الإماراتية ضمن مسار التعاون الدفاعي الأوسع بين البلدين.

كذلك أشارت ورقة صادرة عن مركز فينابل في تشرين الثاني 2023، وهو هيئة تنسيق عسكرية أوروبية غير حكومية، إلى أن الاتفاقات الإبراهيمية تجاوزت مسار التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي، لتشمل منطقاً أمنياً متصاعداً قوامه إدراكٌ مشترك التهديدَ الإيراني بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وتوضح الورقة أن هذا المناخ فتح المجال أمام تسارع التعاون العسكري وتجارة السلاح، بما في ذلك الأمن البحري والدفاع الجوي والدفاع الصاروخي، في إطار سعي أمريكي أوسع لبناء بنية أمنية إقليمية أخف كلفة وأكثر اعتماداً على الشركاء.

الأسلحة الإسرائيلية التي تسلمتها الإمارات وفق بيانات معهد ستوكهولم

وفي الحرب الأخيرة كشفت استهدافات إيران في بعض دول الخليج وإسرائيل عن ما يبدو فهم الإيرانيين طبيعةَ الشبكة الدفاعية التي تربط جيرانهم العرب بإسرائيل. فقد عمدت إيران إلى محاولة تعطيل قدرة هذه المظلّة على اكتشاف الأهداف الجوية وتبادل البيانات في اللحظة ذاتها، أي سعت لتعطيل قدرتها على العمل شبكةً متكاملة.

فبحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 4 آذار 2026، لم تستهدف الضربات الإيرانية قواعد استضافة القوات الأمريكية في المنطقة، بل فقأت أعين المنظومة الدفاعية عندما أصابت (أو حاولت) منشآت الاتصالات والرادار المرتبطة بالإنذار المبكر الأمريكية، في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات والأردن. بما في ذلك منشآت حيوية مثل مقر الأسطول الخامس في المنامة وقاعدة العديد في قطر. 

وقد أظهر تحليل لاحق للصحيفة أن ما لا يقل عن سبعة عشر موقعاً عسكرياً ودفاعياً أمريكياً تضرر بدرجات متفاوتة، ضمن موجات قصف كثيفة شملت آلاف الصواريخ والمسيّرات. ومع نجاح الدفاعات في اعتراض نسبة كبيرة منها، إلا أن نحو نصف الأهداف أصيبت. 

خلف المشهد العسكري المعقّد، تقف عملية اقتصادية مهولة تُحرّكها شركات السلاح الكبرى التي تصنع كل مكوّنات منظومتي باتريوت وثاد. من الرادارات بعيدة المدى ومراكز القيادة والسيطرة إلى قواذف الصواريخ وصولاً إلى صواريخ الاعتراض نفسها وقطع الغيار، ومنظومات الاتصالات والدعم، كلها بدأت تتكشف كلفتها مع اشتعال الحرب.


قُدَّرت كلفة الساعات المئة الأولى من العمليات ضد إيران بنحو 3.7 مليار دولار للقوات الأمريكية وحدها. وبحلول اليوم السادس وصلت التكاليف لحوالي 11.3 مليار دولار، حسبما أحالت وزارة الدفاع الأمريكية للكونغرس. وكذلك قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، في تقرير في 5 آذار 2026، كلفة الذخائر المستهلكة بنحو 758 مليون دولار يومياً، شاملاً ذلك الصواريخ والقنابل.

أعلن معهد باين للسياسات العامة الأمريكي أن المرحلة الافتتاحية شهدت إطلاق نحو أربعين صاروخاً من ثاد، وتسعين صاروخ باتريوت من طرازي "باك‑2" و"باك‑3 إم إس إي". إضافة إلى نحو مئة وثمانين صاروخاً بحرياً من طرازات "إس إم‑2" و"إس إم‑3" و"إس إم‑6" لاعتراض الرشقات الإيرانية المتزامنة التي استهدفت القواعد الأمريكية والبنية التحتية الخليجية والإسرائيلية في آن واحد.

وتظهر هذه الأرقام معادلة الكلفة غير المتكافئة التي حكمت الحرب في أيامها الأولى. فتكلفة المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" بحدود خمسة وثلاثين ألف دولار تقريباً، والصاروخ الباليستي متوسط المدى ما بين مئات الآلاف من الدولارات للنماذج القديمة غير الدقيقة إلى مليون ومليوني دولار للنماذج الأحدث. في المقابل يقدَّر ثمن صاروخ ثاد الاعتراضي الواحد بنحو 12.7 مليون دولار، وقد تصل التكلفة إلى 15 مليون دولار. ويكلف صاروخ باتريوت من طراز "باك‑3 إم إس إي" بين أربعة ملايين وسبعة ملايين دولار للقطعة الواحدة بحسب العقود وبلد الشراء.

من هنا يفرض كل دولار تنفقه إيران على هجوم بالمسيّرات على الدفاعات الأمريكية والخليجية إنفاقاً يتراوح تقريباً بين خمسة عشر وخمسة وثلاثين دولاراً في الاعتراض. ولا يعني ذلك أن كل مسيّرة أو صاروخ إيراني يُواجه تلقائياً بصاروخ من ثاد أو باتريوت. إذ تعمل شبكات الدفاع الجوي وفق منطق متعدد الطبقات يوزع الاشتباك بين أنظمة مختلفة بحسب نوع التهديد ومساره وأولويته. لكن الهجمات الكثيفة تدفع هذه الشبكات، في كثير من الحالات، إلى استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن لإسقاط الأهداف الأخطر.

هذه الفجوة لخّصها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين قال إن إيران تنتج "أكثر من مئة صاروخ شهرياً" مقابل قدرة أمريكية لا تتجاوز "ستة أو سبعة صواريخ اعتراض جديدة في الشهر". وهي نسبة إنتاج خمسة عشر إلى واحد لصالح إيران، في معادلة تستنزف المخزونات الأمريكية بسرعة وتنعش في المقابل عقود التذخير وإعادة الإنتاج وقطع الغيار لشركات السلاح الأمريكية.

وفي قلب هذه السلسلة تقف "آر تي إكس"، الشركة التي تتكفّل بعيون المنظومة وأعصابها، عبر رادارات "إيه إن/إم بي كيو‑65" الخاصة بالباتريوت، و"إيه إن/تي بي واي‑تو" التي تُعد قلب منظومة ثاد وحلقات القيادة والسيطرة المرتبطة بها. وتقود لوكهيد مارتن صناعة صواريخ الاعتراض نفسها، من "باك‑3 إم إس إي" في الباتريوت إلى صاروخ ثاد الاعتراضي، مع توسعة سنوية طاقةَ الإنتاج إلى مئات الصواريخ لتلبية طلب جبهات أوكرانيا والخليج وآسيا.

إلى جوار هاتين الشركتين تتحرك شركات أخرى مثل "إل 3 هاريس" التي توفّر أنظمة الدفع والتوجيه لصواريخ ثاد إضافة إلى وصلات البيانات "لينك‑16" وحلول القيادة والسيطرة المنتشرة في دول الخليج. وكذلك شركتي "بوينغ" و"نورثروب غرومان" المساندة في أنظمة الدفع والربط الشبكي بين الرادارات والقواذف وغرف العمليات، فتتحول كل عملية تحديث أو توسعة لمنظومات الدفاع الجوي في دول الخليج إلى سلسلة عقود متشابكة.

وخلف التفصيلات التقنية، وعلى وقع دوي الصواريخ في المنطقة، انتجت الحرب الأمريكية على إيران منذ بداياتها أرباحاً لشركات الأسلحة في سوق الأسهم الأمريكية. 

أدوار الشركات في منظومة الدفاع الجوي الأمريكية

قفز سهم لوكهيد مارتن في الأيام الأولى من الحرب أكثر من 4 بالمئة، مسجلاً مستوىً قياسياً جديداً. وارتفع سهم نورثروب غرومان بنحو 6 بالمئة، وسهم آر تي إكس بنحو 5 بالمئة. وجاء ارتفاع الأسهم مقروناً بظهور مخاوف عسكرية واقتصادية من الاستنزاف السريع لمخزوناتِ صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك والصواريخ البحرية، وما يستتبعه ذلك من موجة جديدة من عقود التذخير لهذه الشركات.

فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت أسهم هذه الشركات تتحرك في مسار صاعد تغذّيه حرب أوكرانيا والاستعداد لمواجهات جديدة في الشرق الأوسط. وبين آذار 2023 وآذار 2026 تضاعف سعر سهم آر تي إكس أكثر من 110 بالمئة، وارتفع سهم نورثروب غرومان نحو 60 بالمئة، وجنرال دايناميكس نحو 57 بالمئة، ولوكهيد مارتن نحو 37 بالمئة.

وتشير أرقام شركة آر تي إكس في بيان نتائجها السنوية سنة 2025 إلى نمو مبيعات قطاع رايثيون بنحو 5 إلى 7 بالمئة، مدفوعاً بزيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والأرضي، وفي مقدمتها باتريوت. مع استفادة واضحة من استئناف عقود مع زبون في الشرق الأوسط، لم تفصح عن جهته، في الربع الأخير قبل اندلاع الحرب الحالية. 

ذكر ترامب في حسابه على تروث سوشال في 6 آذار 2026 أن استعدادات الشركات لزيادة الطلب سبق الحرب بثلاثة أشهر، وأظهرت بيانات وزارة الخارجية الأمريكية مسار تعاقدات خليجية كثيفة على نفس منظومات الاعتراض التي تستهدفها الزيادة في الإنتاج في كانون الثاني 2026. إذ وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة تذخير للسعودية تشمل سبعمئة وثلاثين صاروخ "باك‑3 إم إس إي" بقيمة تقارب تسعة مليارات دولار، مع حزم قطع غيار وبرمجيات ودعم هندسي. بالتزامن مع استكمال تدريب البطارية الرابعة من ثاد ضمن صفقة سبع بطاريات وثلاثمئة وستين صاروخاً اعتراضياً بدأ تنفيذها منذ 2017. 

بالتوازي مع سباق التذخير هذا، كانت السعودية تعمّق شراكاتها التقنية حول "مظلّة الاعتراض" نفسها. فقد وقّعت وزارة الدفاع السعودية في شباط 2026 اتفاق تعاون جديد مع شركة "إل 3 هاريس" للتقنية الدفاعية يركّز على إدخال قدرات القيادة والسيطرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي للمملكة، مع خطة لتوطين أكبر قدر ممكن من سلسلة القيمة داخل السعودية. وهي خطوة تستهدف تحسين إدارة الاعتراضات وتوسيع المكون المحلي في الصيانة والدعم والتشغيل.

وإلى جانب السعودية وافقت الخارجية الأمريكية في كانون الثاني 2026 على صفقة مماثلة للكويت، تتضمن بيع حزمة دعم واستدامة وبرمجيات لمنظومة باتريوت بقيمة تقديرية تصل إلى ثمانمئة مليون دولار، تشمل قطع غيار وبرامج الفحص والمتابعة وتدريب الأطقم. كذلك شملت الصفقة دعماً هندسياً طويل الأمد يضمن بقاء بطاريات الكويت في أعلى مستويات الجاهزية التشغيلية في السنوات المقبلة، بمشاركة مباشرة من آر تي إكس التي ترتبط أعمالها بكل من والثام في ولاية ماساتشوستس، وهنتسفيل في ولاية ألاباما، وشركة لوكهيد مارتن، التي يقع مقرها في بيثيسدا بولاية ماريلاند. إلى جانب شركة ليدوس، ومقرها ريستون في ولاية فرجينيا، ولها أيضاً نشاط في هنتسفيل بألاباما. وكذلك شركة كي بي آر، التي يقع مقرها في هيوستن بولاية تكساس، ولها حضور في هنتسفيل.

على نفس المنوال، ثبّتت الإمارات موقعها أحد أعمدة الطبقة العليا للدفاع الصاروخي في منطقة الخليج بعقد دعم جديد لمنظومة ثاد. إذ حصلت لوكهيد مارتن مطلع 2026 على تعديل عقد بقيمة 142.6 مليون دولار لتمديد خدمات الاستدامة والتحديث لبطاريتَي ثاد المنتشرتين على أراضيها، ليرتفع إجمالي عقد الدعم إلى نحو 876.7 مليون دولار.

يشمل الاتفاق حزمة واسعة من الخدمات تمتد من الصيانة والإصلاح وتحديث العتاد والبرمجيات إلى التدريب والمراقبة الميدانية. وتُنفَّذ بين مواقع إنتاج رئيسة في كاليفورنيا وتكساس وأركنساس وألاباما، وبين مواقع تشغيل المنظومة داخل الإمارات. ويضمن ذلك بقاء ثاد في قلب شبكة الدفاع الجوي المشتركة التي تُبنى لمواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة.

لكن الصفقة الإماراتية الأبرز جاءت في أتون الحرب مع إيران في 19 آذار 2026، حين وافقت الولايات المتحدة على بيع رادار بعيد المدى مدمج بمنظومة ثاد للإمارات، ضمن حزمة قيمتها تقدر بنحو أربعة مليارات وخمسمئة مليون دولار. وقد شملت الصفقة أيضاً معدات للربط والقيادة والتحكم، إلى جانب خمس سنوات من الدعم الفني والتدريب والصيانة. وبحسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية عن الصفقة، تهدف الحزمة إلى توسيع التغطية الدفاعية للإمارات في جميع الاتجاهات، بما يعزز قدرتها على رصد التهديدات الصاروخية والجوية والتصدي لها.

وللصفقة أهمية إضافية بعدما كشفت صور أقمار صناعية تعرض موقعين راداريين في الإمارات، قرب أبوظبي وفي السدر، لضربات في 1 آذار 2026، ضمن ما لا يقل عن عشرة مواقع رادارية استهدفت دولاً في الخليج. ويعزز ذلك فرضية أن الصفقة لا تستهدف إضافة قدرة جديدة وحسب، بل سد ثغرات محتملة في شبكة الإنذار المبكر وتطويرها في الوقت نفسه.

وبينما كان ترامب يفاخر على تروث سوشيال بأن رؤساء كبرى شركات السلاح تعهّدوا له بمضاعفة إنتاج "الأسلحة الفاخرة" أربع مرات، كان جزء كبير مما يتحدث عنه يتجسّد بالفعل في توسعات على أرض الواقع. فقد أعلنت لوكهيد مارتن في 29 كانون الثاني 2026 وضع حجر الأساس لمركز جديد لتسريع إنتاج الذخائر في كامدن بولاية أركنساس. يضاف لذلك اتفاق لرفع إنتاج صواريخ ثاد من ستة وتسعين صاروخاً إلى أربعمئة صاروخ اعتراضي سنوياً، أي أكثر من أربعة أضعاف المستوى الحالي، ومع خطة استثمارية تكلف مليارات الدولارات لتوسيع الإنتاج وتحديث أكثر من عشرين منشأة. وهذا يدعم أيضاً تسريع إنتاج صاروخ "باك‑3 إم إس إي" باستخدام تقنيات التصنيع المتقدم والآليات والأنظمة الرقمية.

وفي بلدة كامدن في ولاية ألاباما، مضت شركة إل 3 هاريس، في مسار توسعة متدرج تسارع في 2025. وقد شمل ذلك إنشاء منشآت جديدة لإنتاج المحركات الصاروخية الصلبة إلى إطلاق مشروع منشآت أركنساس المتقدمة للدفع الصاروخي لترفع مساحتها التصنيعية إلى أكثر من مليون وخمسمئة ألف قدم مربعة (أي ما يعادل نحو مئة وأربعين ألف متر مربع). وهو ما يعزز الموقع أحد العقد الرئيسة في القاعدة الصناعية الأمريكية للمحركات الصاروخية التي تغذي برامج دفاعية من بينها باتريوت وثاد.

وعن المكونات الدقيقة التي تغذي صواريخ الاعتراض، قالت شركة بوينغ في تشرين الأول 2025 إن استثماراتها في تحديث خطوط الإنتاج وتعزيز شبكة الموردين – مع استكمال توسعة جديدة في هنتسفيل بألاباما – رفعت قدرتها على إنتاج الباحثات الرادارية لصواريخ "باك-3" المستخدمة في باتريوت. وأضافت الشركة أن هذه القفزة جاءت بالتوازي مع عقود متعددة السنوات بقيمة مليارين وسبعمئة مليون دولار لإنتاج ثلاثة آلاف باحث راداري، وبمعدل يصل إلى سبعمئة وخمسين وحدة سنوياً حتى سنة 2030.
وعلى تعقيداتها، تأخذنا حالة الحرب الأخيرة من التوسعات المستقبلية المدفوعة بعقود الشراء السخية إلى سؤال الوضع العملياتي القائم، المرتبط بحجم المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية ومدى قدرته على الصمود في حرب طويلة الأمد.

تُظهِر المقارنة بين صور الأقمار الصناعية من غوغل إيرث وكوبرنيكس استهداف موقع مرتبط بمنظومة ثاد قرب أبوظبي في منطقة الرويس - من تصميم الكاتب

بحسب المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب استهلكت القوات الأمريكية وحلفاؤها في دول الخليج نحو ثمانمئة صاروخ باتريوت اعتراضي. فيما استهلكت أوكرانيا في أشد حملات القصف الروسي شراسة في الفترة من تشرين الثاني 2025 إلى شباط 2026 قرابة سبعمئة صاروخ فقط. وقد حذر كوبيليوس أن "الأمريكيين لن يتمكنوا من توفير ما يكفي من هذه الصواريخ لدول الخليج ولجيشهم ولأوكرانيا أيضاً"، في إشارة إلى حدود القدرة الإنتاجية الحالية حتى مع موجة التوسع الجارية.

ومع السرية التي تحيط بحجم المخزون الأمريكي من صواريخ الاعتراض، إلا أن الأرقام المتاحة ترسم صورة مقلقة. فبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الخامس من كانون الأول 2025، تسلمت الولايات المتحدة 534 صاروخاً من منظومة ثاد حتى نهاية 2025. فيما تشير تقديرات المركز نفسه لاستخدام المنظومة في الهجمات على إيران في حزيران 2025 ما بين مئة صاروخ ومئة وخمسين صاروخاً، أي ما يقارب نحو خُمس هذا الإجمالي. وتزداد خطورة ذلك لأن هذا المخزون لا يتاح كله احتياطاً حراً، بل إن جزءاً منه يكون مخصصاً للبطاريات المنتشرة في الميدان، ما يجعل هامش التعويض السريع أضيق مما توحي به الأرقام وحدها.

أما في منظومة باتريوت، فنقلت وكالة بلومبِرغ الإخبارية عن وثائق أمريكية أن ما اشتراه الجيش من صواريخ "باك-3 إم إس إي" بلغ 2491 صاروخاً حتى 2025. لكن هذا الرقم لم يعد كافياً في نظر المؤسسة العسكرية، إذ رفعت لجنة متطلبات التسليح في نيسان 2025 هدف الاقتناء الكلي لهذا الطراز من 3376 إلى 13773 صاروخاً. ومع ذلك، فإن رفع سقف الاحتياج لا يعني تلقائياً توافر مخصصات مالية أو عقود إنتاج سريعة بالوتيرة نفسها.

ولم يقتصر الأمر على رفع الأهداف المستقبلية، إذ طلب الجيش أيضاً تمويلاً لشراء 224 صاروخاً إضافياً للسنة الضريبية 2026، فضلاً عن ستة وتسعين صاروخاً أخرى أقر تمويلها الرئيس ترامب مطلع تموز 2025. بما يعكس اتساع الفجوة بين وتيرة الاستهلاك والاحتياجات الجديدة من جهة، والقدرة على التعويض السريع من جهة أخرى. وهو أيضاً ما فتح شهية أطراف دولية، منها أوكرانيا، لمحاولة الاستفادة من هذه الفجوة بمخزون الصواريخ الاعتراضية بوسائل بديلة أقل تكلفة. 


سارع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في الأيام الأولى للحرب على إيران إلى عرض المساعدة في مواجهة المسيرات الإيرانية، مستنداً إلى سنوات من الخبرة في التصدي لمسيرات شاهد التي استخدمتها روسيا بكثافة ضد المدن الأوكرانية. فقد أعلن زيلينسكي في أكثر من تصريح أنه مستعد لإرسال "أفضل الخبراء" في إسقاط المسيرات إلى الخليج والشرق الأوسط. بل ولوّح بإمكانية تزويد الحلفاء بطائرات مُعترِضة مُسيّرة طوّرتها بلاده مقابل الحصول على مزيد من صواريخ الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها صواريخ باتريوت.

وعلى ما في المعادلة المقترحة التي تقوم على تصدير الخبرة والأنظمة الأقل كلفة مقابل الصواريخ الاعتراضية الأعلى كلفة من حلول ممكنة، إلا أنها أظهرت حجم العجز الذي تعاني منه أوكرانيا نفسها. إذ أكدت تقارير صحافية، برز منها تقرير لشبكة سي إن إن في الخامس من آذار 2026، أن مخزون أوكرانيا من صواريخ باتريوت يواجه استنزافاً حاداً بعد موجات القصف الروسي الأخيرة، وأن قدرتها على مواصلة صدِّ الهجمات تعتمد مباشرة على وتيرة ما تحصل عليه من ذخائر اعتراضية من الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي تطور للعروض التي قدّمها الرئيس الأوكراني، تحركت أمريكا خارج حدود التصريحات أو المناورات السياسية، وترجمت الحلّ الأوكراني ميدانياً عبر الدفع بمسيرات اعتراضية جديدة إلى ساحة دول الخليج. وبحسب وكالة بلومبيرغ أرسل الجيش الأمريكي نحو عشرة آلاف مسيّرة اعتراضية من طراز "سيرفيور" التابعة إلى منظومة "ميروبس" – التي طُورت واختُبرت في أوكرانيا – إلى الشرق الأوسط في خمسة أيام فقط من بدء العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. في خطوة بدت أنها أظهرت استعجالاً في بناء طبقة دفاع منخفضة الكلفة أمام أسراب المسيّرات الإيرانية.

في هذا السياق، تمثل منظومة "ميروبس" محاولة لكسر المعادلة الاقتصادية المختلّة للحرب، إذ تُقدَّر كلفة الواحدة منها بنحو خمسة عشر ألف دولار، مع توقعات بهبوط كلفتها إلى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار عند شراء كميات كبيرة. وهي أرقام تقل حتى عن كلفة بعض مسيّرات شاهد الإيرانية، وتبتعد كلفةً جداً عن صواريخ باتريوت وثاد التي قد يتجاوز ثمن الاعتراض الواحد بها أربعة ملايين دولار. 

تقوم منظومة "ميروبس" التي طوّرها مشروع "بروجكت إيغل" المدعوم من إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لغوغل، على فكرة استبدال الصواريخ الباهظة بمنصات اعتراضية صغيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتعمل هذه المنصات ضمن منظومة أوسع من الرادارات والمستشعرات والبرمجيات لتتبع المسيّرات الانتحارية والانقضاض عليها أو تفجير شحنة صغيرة قربها.

وبحسب تقارير ميدانية، نقلتها شبكة "يونايتد 24 الإخبارية" في تشرين الثاني 2025، حققت المسيرة "ميروبس" مئات عمليات الإسقاط لمسيّرات شاهد ومشتقاتها في أوكرانيا من تكتيك "درون ضد درون"، مستفيدة من قدرة عالية في التمييز البصري للأهداف والعمل في بيئات تشويش كثيف. فيما تذهب الخطط المستقبلية إلى تعميق دمج المسيّرة في شبكات دفاع جوي أوسع في أوروبا وبعض دول الخليج، وتحديث خوارزمياتها لتغطية طيف أكبر من التهديدات الجوية، من المسيّرات الصغيرة منخفضة الارتفاع إلى الأسرع والأبعد مدى. وهو ما قد يحوّلها تدريجياً إلى طبقة ثابتة في أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وبالتالي تخفيف الضغط عن صواريخ الاعتراض الأعلى كلفة مثل باتريوت وثاد.

ووفقاً لرويترز في تقريرها المنشور في 17 آذار 2026، جذبت المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية، ومنها "ستينغ"، اهتماماً من زبائن في الشرق الأوسط، مع إرسال أوكرانيا ثلاث فرق من مختصي الدفاع الجوي إلى المنطقة.

وأعلن زيلينسكي في نهاية آذار 2026 توقيع اتفاقٍ مع السعودية، وآخرَ مماثلٍ لعشر سنوات مع قطر، فيما يستعد لتوقيع اتفاق إضافي لعشر سنوات مع الإمارات. ونقلت رويترز عن شركة "وايلد هورنتس" المصنعة أن مسيّرتها أسقطت أكثر من ثلاثة آلاف مسيّرة روسية من طراز شاهد منذ دخولها الخدمة المنتظمة في حزيران 2025، مع إنتاج شهري يتجاوز عشرة آلاف وحدة وكلفة تقارب ألفي دولار فقط للمسيّرة الواحدة. ويضيف التقرير أن جيلاً ثانياً أسرع دخل أيضاً مرحلة التطوير لملاحقة النسخ النفاثة الأحدث، فيما يعزز من أهمية المسيّرات طبقة دفاعية أرخص وأكثر مرونة أمام الهجمات الكثيفة.

وبهذا تحول الطرح الأوكراني إلى تعاون بعيد المدى مع بعض دول الخليج، ما يجعل من تقنيات الاعتراض الأقل كلفةً ومن الخبراء الأوكرانيين والإنتاج المشترك، جزءاً من إعادة تشكيل طبقات الدفاع الجوي. يحدث هذا في وقت يتزايد فيه الضغط على المخزون الأمريكي من منظومات الاعتراض الأعلى كلفة. 


جوهر المعادلة لم يتغير كثيراً، من اللحظة التي خرج فيها رونالد ريغان على الأمريكيين في ثمانينيات القرن الماضي بوعد "حرب النجوم" القائم على إبطال مفعول الصواريخ السوفيتيية بالتقنية، حتى لحظة انطلاق أسراب "ميروبس" الأقل كلفة نسبياً فوق سماوات بعض دول الخليج سنة 2026 لإسقاط مسيّرات شاهد. فالأمن يُسوَّق غالباً درعاً واقياً، والحروب تتحوّل إلى حقول تجارب لأجيال متعاقبة من المنظومات، بينما تواصل القاعدة الصناعية المالية مراكمة أرباحها كلما اتّسعت فجوة الكلفة بين الهجوم والاعتراض.

وفي هذا المسار الطويل، لم تكن باتريوت وثاد وأخيراً ميروبس مجرد أدوات عسكرية وتقنية، بل حلقات في سلسلة واحدة تربط بين عقيدة الردع وعقود التسليح وأسعار الأسهم في سوق وول ستريت. سلسلة تجعل من كل صاروخ يعبر ومن كل مسيّرة تنفجر جزءاً من ميزان أرباح وخسائر يتجاوز ساحات المعارك إلى اقتصاد الحرب الأمريكي.

عبد الحليم حفينة - مجلة الفراتس

نحو اتفاق إطار لإنهاء الحرب | أميركا – إيران: الهوّة تضيق

نحو اتفاق إطار لإنهاء الحرب | أميركا – إيران: الهوّة تضيق

يبدو أن ازدياد زخم الوساطة التي تقودها باكستان، ينبئ باحتمال تمديد الهدنة المعلَنة بين إيران والولايات المتحدة، والبدء بتذليل العديد من النقاط الخلافية، ومن ثمّ صوغ اتفاق إطار لإنهاء الحرب، والدخول في مفاوضات قد تطول نظراً لحساسيتها التقنية، خاصة على الصعيد النووي. وبالتزامن مع تواتر تلك المؤشرات، أعلنت إيران، أمس، فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية، وذلك عبر خطّ الملاحة الذي قرّرته، والذي يمكن للسفن عبوره شرط التنسيق مع القوات البحرية لـ»الحرس الثوري الإيراني». ويعني هذا القرار فرض سيطرة إيرانية على المضيق في الوقت الراهن - في انتظار ترتيبات أمنية تريدها إيران، بالتنسيق مع الدول المشاطئة -.
وإذ تتّجه الأنظار إلى الجولة الثانية من المفاوضات، تتكثّف الجهود لإيجاد أرضية مناسبة لاتفاق إطار مبدئي يعالج القضايا النووية والإقليمية. ورغم ارتفاع سقوف الشروط المتبادلة في الجولة الأولى، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى وجود مساحات يمكن البناء عليها لصياغة تسوية مرحلية أو شاملة، خاصة في ظلّ إدراك الطرفين كلفة استمرار التصعيد.

في صلب هذه المفاوضات، يبرز الملف النووي باعتباره الأكثر حساسية؛ إذ يتمحور حول أربعة بنود رئيسة تطالب بها واشنطن، وهي إنهاء تخصيب اليورانيوم، وتفكيك المنشآت النووية، وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، وإصدار قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي بمنع امتلاك إيران لسلاح نووي. وتدفع واشنطن في اتجاه تحديد إطار زمني واضح لتعليق التخصيب، يمتدّ إلى عشرين عاماً، في محاولة لضمان عدم اقتراب طهران من العتبة النووية. وفي المقابل، ترفض إيران هذا الطرح بصيغته الحالية، لكنها تترك الباب مفتوحاً أمام مقاربة أكثر مرونة قد تقوم على تعليق مؤقت مشروط باعتراف أميركي ودولي واضح بـ»حقها في التخصيب على أراضيها»، وتقليص مدّة الالتزام المشار إليه إلى بضع سنوات.

ولا يأتي توقّع هذا القبول الإيراني من فراغ، بل يستند إلى واقع تقني وعملي؛ إذ تحتاج المنشآت النووية المتضرّرة إلى عمليات إعادة تأهيل وترميم، ما يفرض عملياً وقفاً مرحلياً للتخصيب. ولذا، يمكن تحويل التوقّف القسري إلى فرصة تفاوضية تتيح للطرفين إعلان تقدّم مشترك، من دون تقديم تنازلات جوهرية في المواقف المبدئية في ما يخصّ تخصيب اليورانيوم. أمّا في ما يتعلق بتفكيك المنشآت النووية، فتبدو الهوة بين الطرفَين أوسع؛ إذ تطالب واشنطن بنقل هذه المنشآت إلى «سطح الأرض» لتسهيل مراقبتها، في حين ترفض طهران ذلك بشكل قاطع، مستندة إلى اعتبارات أمنية وتجارب سابقة، أثبتت في خلالها المنشآت المحصّنة تحت الأرض فاعليتها في مواجهة الضربات العسكرية.

ومع ذلك، تبدي إيران مرونة في ملف الرقابة، مُظهرةً استعدادها لتعزيز دور «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وقبول عمليات تفتيش دورية، شرط حصرها بالوكالة من دون أي تدخّل أميركي مباشر. فإيران، رغم فرضية استعدادها لتقديم تسهيلات رقابية، لن تتراجع أبداً عن إعادة بناء منشآتها النووية تحت الأرض وتحصينها، ولن تتخلّى عن مشروعها النووي السلمي الذي تعتبره جزءاً من سيادتها الوطنية، ولو كان بشكل أصغر مما هو موجود حالياً.

وفي ما يتّصل بملف اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، يتّضح البعد الاستراتيجي للخطوة الإيرانية التي جاءت كردّ على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018. فقد شكّل ذلك المستوى من التخصيب ورقة ضغط تفاوضية فعّالة، وهو لم يكن سراً؛ إذ أعلمت إيران، قبل سنوات، «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، بخطوتها، وصرّحت علانية بكميات مخزونها العالي التخصيب. وأجبرت هذه الورقة اليوم، الولايات المتحدة، على التعامل بجدية أكبر مع المطالب الإيرانية. وتشير التقديرات إلى أن حجم هذا المخزون يبلغ نحو 420 كيلوغراماً، مع غموض يحيط بما تبقّى منه سليماً نتيجة التطورات الأمنية والاستهدافات التي طاولت بعض المنشآت، وهو ما يجعل الكشف عن الكميات الحقيقية مؤجّلاً إلى ما بعد التوصل إلى اتفاق، باعتباره ورقة تفاوضية مخفية تحتفظ بها طهران.

هنا، يبرز مطلب واشنطن بتسليم هذا المخزون لها حصراً، أو على الأقلّ منعه من الوصول إلى دول من مثل روسيا أو الصين، فيما ترفض طهران ذلك الشرط، وتدفع نحو حلول وسطية تتمثّل في نقل المخزون إلى دولة ثالثة - تحت إشراف دولي -، قد تكون باكستان. وربما يصبح هذا الطرح قابلاً للتنفيذ في حال التوصل إلى اتفاق شامل، خاصة إذا اقترن بتوفير بدائل لإيران من اليورانيوم المنخفض التخصيب لتشغيل مفاعلاتها المدنية - مثل مفاعل «أمير آباد للأبحاث» والمفاعل الكهروذري في بوشهر -، ضمن آلية دولية تشرف عليها «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وفي المقابل، تطرح الولايات المتحدة حزمة حوافز تشمل رفع العقوبات بشكل كامل، مقابل التزام إيران بهذه البنود، مع الإصرار على إصدار قرار من مجلس الأمن يمنع طهران من تطوير سلاح نووي بشكل دائم. وهذه النقطة قد لا تشكّل عقبة كبيرة؛ إذ تؤكد إيران دائماً أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، ما يجعل هذا الالتزام متوافقاً مع خطابها الرسمي، ويمنحها في الوقت نفسه مكسباً كبيراً يتمثّل في إنهاء العقوبات الدولية والأحادية.
وبعيداً عن الملفّ النووي، يبرز مضيق هرمز وإدارته المستقبلية والترتيبات الأمنية فيه، كأحد الملفات الهامة في المفاوضات. وفي حين اقترحت واشنطن إنشاء إدارة مشتركة للمضيق، وتأسيس صندوق ائتماني لتقاسم العائدات، رفضت طهران ذلك بشدة، معتبرة أن إدارة المضيق يجب أن تكون في أيدي الدول المشاطئة له، وبإشراف إقليمي يضمن أمنه واستقراره، وهي لن تقبل بأيّ دور أميركي مباشر في هذا الملف.

كذلك، تطرح إيران مسألة التعويضات كجزء من ملف «هرمز»؛ إذ يجري الحديث عن فرض رسوم على المرور في المضيق كوسيلة لاستيفاء «تعويضات» الحرب في حال عدم التوصّل إلى اتفاق مع واشنطن. ورغم ما تقدّم، لا يستبعد المتابعون إمكانية التفاوض على هذا البند في حال تقديم تعويضات مباشرة. وفي السياق نفسه، تبرز مسألة الضمانات الدولية كعنصر حاسم في نجاح أيّ اتفاق؛ فإيران تطالب بضمانات تحول دون تكرار الحرب عليها أو في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بحقها في الرد على أيّ خرق، وهو ما يعكس عدم ثقتها الكاملة بالالتزامات الدولية، خاصة في ظلّ التجارب السابقة.

ومن هنا، يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات المتوقّعة في غضون أيام، بما تحمله من تفاصيل دقيقة، قد تفتح نافذة للتوصل إلى تسوية متوازنة تقوم على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، تضمن الحدّ الأدنى من مصالح الطرفين، وتؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في المنطقة، ستكون فيها إسرائيل أول الخاسرين.

حسن حيدر - الأخبار

إيران تحذّر من مآذارة أيّ ضغوط على المقاومة في لبنان

إيران تحذّر من مآذارة أيّ ضغوط على المقاومة في لبنان

أكدت وزارة الدفاع الإيرانية أنّ مضيق هرمز مفتوح حالياً في إطار وقف إطلاق النار، محذّرة من أنّه في حال مآذارة أي ضغوط على حزب الله والمقاومة في لبنان «ستعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً».

وقال المتحدّث باسم وزارة الدفاع الإيرانية العميد رضا طلائينيك إنّ «مضيق هرمز مفتوح حالياً في إطار حالة وقف إطلاق نار وبشكل محدود فقط، بشرط عدم أحقية السفن العسكرية والمرتبطة بالقوى المعادية في العبور من خلاله».

وأضاف أنّ «الوضع المعلن في مضيق هرمز مؤقت، وفي حال مآذارة أي ضغوط على الإخوة والأخوات في لبنان، ستعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً».

قاليباف: الميدان هو ما يحدّد وضع المضيق

من جهته، نشر رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف، سلسلة نقاط فنّد فيها مزاعم الجانب الأميركي.

وكتب قاليباف:

1- طرح الرئيس الأميركي خلال ساعة واحدة سبعة ادعاءات، وجميعها كاذبة.

2- لم ينتصروا في الحرب عبر هذه الأكاذيب، وبالتأكيد لن يصلوا إلى مبتغاهم في المفاوضات عبر الأكاذيب أيضاً.

3- مع استمرار الحصار، لن يظل مضيق هرمز مفتوحاً.

4- حركة العبور والملاحة في المضيق ستتم حصراً بناءً على «المسار المحدد» ووفقاً لـ«تصريح إيراني».

5- الميدان هو من يحدد وضع مضيق هرمز وقواعده، سواء كان مفتوحاً أو مغلقاً، وليس شبكات التواصل الاجتماعي.

6- الحرب الإعلامية وهندسة الرأي العام جزء أساسي من المعركة، والشعب الإيراني لن ينطلي عليه هذا الخداع.

واختتم قاليباف بدعوة الجمهور لمتابعة الحقائق قائلاً: اقرأوا الأخبار الحقيقية والدقيقة للمفاوضات في المقابلة الأخيرة للمتحدث باسم وزارة الخارجية.

الأخبار