كيف استدرج نتنياهو ترامب لشنّ الحرب على إيران؟
تعدّ الحرب التي شُنت على إيران واحدة من أكثر الحروب غرابة في التاريخ، لا بسبب طبيعتها العدوانية التي انطوت على انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي، فمعظم الحروب التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية تنتمي لنفس الفئة وتخالف ميثاق الأمم المتحدة الذي يحرم استخدام القوة في حل النزاعات الدولية، ولا بسبب طابعها التآمري الناجم عن الدور الأميركي في إشعالها، فقد سبق لـ”إسرائيل” أن تواطأت مع بريطانيا وفرنسا لشن الحرب على مصر عام 1956، وإنما بسبب الطريقة التي تم بها استدراج الولايات المتحدة الأميركية، القوة الأعظم في العالم المعاصر، للانخراط في حرب لا تخدم مصالحها.
ولأنه يفترض أن لدى القوى العظمى بنية معلوماتية ومؤسساتية قادرة على حمايتها من التورط في حروب الآخرين، فمن الطبيعي أن يثير استدراج الولايات المتحدة للتورط في حرب أساءت إلى سمعتها وكادت أن تتحول إلى حرب إقليمية واسعة، وربما إلى حرب عالمية ثالثة، تساؤلات ملحّة.
كانت وسائل الإعلام العالمية قد أشارت من قرب إلى أن الحرب على إيران هي من تدبير بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي نجح في استدراج الولايات المتحدة للانخراط فيها بعد أن قدّم للرئيس دونالد ترامب معلومات غير دقيقة ومضللة.
غير أن هذه المقولة، والتي بدت لكثيرين عصيّة على الفهم رغم ميل طبيعي لتصديقها، لم تكن سوى مجرد فرضية تقبل الصواب والخطأ، ومن ثم تحتاج إلى برهان يثبت أو ينفي صحتها، أو اجتهاد تحليلي، ومن ثم يحتاج إلى توثيق معلوماتي مستمد من مصادر أولية، وهو ما تكفّل به تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” يوم الـ7 من نيسان/إبريل الماضي، استمد معلوماته الغزيرة والموثقة من كتاب قام بتأليفه كل من جوناثان سوان وماغي هابرمان، مراسلاً البيت الأبيض في صحيفة التايمز، يتوقع أن ينشر قريباً تحت عنوان: “تغيير النظام: داخل رئاسة دونالد ترامب الإمبراطورية Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump”.
يحتوي التقرير المطوّل على معلومات غزيرة ومفصلة حول حقيقة ما دار في سلسلة اجتماعات، عُقدت في غرفة العمليات بالبيت الأبيض خلال الفترة من 11- 26 فبراير/شباط 2026، وخصصت لعرض ومناقشة الخطة التي اقترحها بنيامين نتنياهو على الولايات المتحدة للمشاركة معه في شنّ الحرب على إيران لإسقاط نظامها الحاكم.
عقد الاجتماع الأول يوم الـ 11 من فبراير/ شباط، وخُصص للاستماع إلى العرض الذي قدمه بنيامين نتنياهو حول الخطة التي أعدها الجيش، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، للقيام بعملية عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة تستهدف إطاحة النظام الإيراني.
أما الاجتماعات اللاحقة فخُصصت لمناقشة تقييم الأجهزة الأميركية المختلفة لما ورد في هذه الخطة وإبداء الملاحظات عليها. وخُصص الاجتماع الأخير، والذي عُقد يوم الـ26 من فبراير/شباط، لمناقشة الحصيلة النهائية التي خلصت إليها الاجتماعات السابقة وإعداد البدائل التي ينبغي أن تُعرض على الرئيس ترامب ليقرر ما يراه بشأنها وتحديد التوقيت الذي يراه مناسباً لوضع الخطة النهائية موضع التنفيذ.
يوضح التقرير كيف استقبل بنيامين نتنياهو، الذي وصل إلى البيت الأبيض قبيل الساعة الحادية عشرة صباح يوم الـ 11 من فبراير/شباط، في قاعة مجلس الوزراء المجاورة للمكتب البيضاوي، والتي لم يمكث فيها سوى فترة وجيزة وبلا مراسم تُذكر، قبل أن يجرى اصطحابه على عجل إلى غرفة العمليات بالبيت الأبيض للمشاركة في اجتماع بالغ السرية، عُقد خصيصاً للاستماع إلى الخطة المشتركة التي تقترحها الأجهزة الإسرائيلية للتعامل مع الأزمة الإيرانية.
شارك في هذا الاجتماع، من الجانب الإسرائيلي، ديفيد برنياع، رئيس الموساد، إضافة إلى عدد قليل من مستشاري نتنياهو السياسيين والعسكريين، أما من الجانب الأميركي فكان الرئيس دونالد ترامب في مقدمة المشاركين ومعه كل من: سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، و ماركو روبيو، وزير الخارجية مستشار الأمن القومي، وبيت هيغسيث، وزير الحرب، والجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وجون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، وستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص. أما جي دي فانس، نائب الرئيس، فقد تغيّب عن هذا الاجتماع بسبب زيارة كان يقوم بها لأذربيجان في ذلك الوقت.
قدّم نتنياهو في هذا الاجتماع عرضاً مفصّلاً للعملية العسكرية المشتركة التي تقترحها أجهزته، مؤكداً أن هدفها النهائي هو إطاحة النظام الإيراني، وموضحاً أن أحد مكوّناتها الرئيسية يستهدف تصفية أكبر عدد ممكن من القيادات السياسية والعسكرية والدينية الإيرانية.
وقد حرص نتنياهو على الاستعانة في عرضه بمقطع فيديو يتضمن صوراً لشخصيات سياسية مرشحة لتولّي زمام الأمور عقب سقوط النظام، كان من بينهم رضا بهلوي، نجل شاه إيران المقيم في واشنطن. وقد عكس هذا العرض، كما يؤكد التقرير، ثقة نتنياهو المطلقة في إمكانية التدمير التام لكل ما يتعلق ببرنامج الصواريخ البالستية في غضون أسابيع قليلة، وإضعاف النظام الإيراني إلى درجةٍ تمنعه لا من إغلاق مضيق هرمز فحسب، وإنما أيضاً من توجيه ضرباتٍ للدول المجاورة، بهدف إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية فيها، وقدم معلومات استخبارية تؤكد أن الاحتجاجات الشعبية في إيران ستعاود الظهور خلال وبعد انتهاء العملية العسكرية، وأن حملة القصف المكثفة المزمع شنّها في مناطق عديدة ستسهم في تأجيج أعمال الشغب والتمرد في هذه المناطق، ما سيمهّد الطريق أمام المعارضة الإيرانية لإطاحة النظام.
ولم تفت نتنياهو الإشارة إلى أن العملية العسكرية تتضمن أيضاً تجهيز مقاتلين كرداً إيرانيين ودفعهم لعبور الحدود من العراق بهدف فتح جبهة برية في الشمال الغربي لإيران، ما سيؤدي إلى زيادة الضغط على قوات النظام ويُعجل بانهياره.
وعندما سأل بعض الحاضرين عن المخاطر المحتملة لعملية يُحتمل أن تؤدي لاغتيال المرشد الأعلى، أقرّ نتنياهو بوجود مثل هذه المخاطر، لكنه أكّد أنها أقل من المخاطر الناجمة عن احتمال التقاعس عن توجيه الضربة أو تأخيرها، لأن ذلك سيتيح لإيران مزيداً من الوقت لتسريع إنتاج الصواريخ وبناء حصانة حول برنامجها النووي.
لقي العرض الذي قدمه نتنياهو وطريقته في الإجابة على الأسئلة التي طرحت عليه استحساناً واضحاً من جانب ترامب الذي علق قائلاً: “يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي”، ما اعتبره كثيرون بمثابة موافقة من حيث المبدأ على الخطة المقترحة، وتكليف عاجل في الوقت نفسه لمجتمع الاستخبارات الأميركي كي يبدأ على الفور في إجراء تقييم شامل لما جرى في هذا الاجتماع.
وقد عُرضت نتائج هذا التقييم في اليوم التالي (12/2/2026) الذي شهد اجتماعاً جديداً في غرفة عمليات البيت الأبيض، اقتصر الحضور فيه على المسؤولين الأميركيين في الغرفة، إضافة إلى الرئيس ترامب ونائبه فانس الذي كان قد عاد للتوّ من أذربيجان.
ثم تكررت الاجتماعات التي عُقد آخرها يوم الـ26 من شباط/فبراير، وهو الاجتماع الذي نوقشت فيه محصلة ما دار في كافة الاجتماعات السابقة ووُضعت اللمسات الأخيرة على الخطة النهائية للعملية المشتركة، أُطلق عليها اسم “عملية الغضب الملحمي” واعتمدها الرئيس ترامب قبيل الساعة الرابعة من مساء اليوم نفسه وبدأ تنفيذها على الأرض يوم الـ 28 من شباط/فبراير.
تضمّن التقرير أيضاً معلومات مفصلة عن موقف القيادات السياسية والعسكرية الأميركية من هذه الخطة التي كان لبعضهم تحفظات متنوعة عليها، خصوصاً ما تعلّق منها بفكرة تغيير النظام الإيراني، التي وصفها راتكليف بالفكرة “الهزلية” وأيّده في ذلك روبيو وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي.
وكان للجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تحفظات حول احتمال أن تؤدي الخطة المقترحة إلى “استنزاف الترسانة الأميركية” وتحدث عن “صعوبات جسيمة قد تكتنف تأمين مضيق هرمز”. أما ستيفن تشيونج، مدير الاتصالات، فأعرب عن قلقه إزاء “التداعيات المحتملة للحرب على صورة الرئيس لدى الرأي العام”.
ورغم هذه التحفظات لم يجرؤ أي من أصحابها على معارضة الخطة علناً أمام الرئيس ترامب. المسؤول الوحيد الذي تجرّأ على فعل ذلك صراحة هو جي دي فانس، نائب الرئيس، حين وصف الحرب على إيران بأنها “فكرة سيئة” من حيث المبدأ، وعندما تأكد أنها ستُعتمد حاول توجيه المسار نحو “عملية محدودة” بدلاً من “حملة واسعة النطاق”، لكنه أخفق في مسعاه. بيت هيجسيث، وزير الحرب، كان هو المسؤول الوحيد من بين كبار مساعدي ترامب الذي تحمّس بشدة للحرب على إيران.
يتضح مما سبق أن نتنياهو لعب دوراً محورياً في استدراج ترامب وإدارته لضمان مشاركة الولايات المتحدة في حرب على إيران كان يعدّ لها منذ زمن طويل، بدليل أنه حاول الشيء نفسه مع جميع الرؤساء الأميركيين الآخرين الذين عاصرهم إبان رئاسته للحكومة: كلينتون وأوباما وبايدن، لكنه أخفق ولم ينجح إلا مع ترامب وحده.
ساعده في ذلك علاقة شخصية حميمة ربطته بالأخير، تمتد إلى ما قبل دخول البيت الأبيض، وتعمقت كثيراً إبان فترة ولايته الأولى. ويبدو أن نتنياهو فهم بعمق ذات ترامب المتضخمة ولعب على وترها كثيراً، بالعمل على إقناعه أن التاريخ سيكتب أنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي حقق ما عجز عنه كل من سبقوه من الرؤساء على مدى ما يقرب من نصف قرن، عبر تمكنه من إطاحة نظام إيران الإسلامي واستبداله بنظام علماني.
ومع ذلك ينبغي ألا نقلل من تأثير عامل آخر، ألا وهو اقتناع ترامب التام بتفوق الجيش الأميركي وقدرته على صنع المعجزات، والذي تحول إلى يقين مطلق بعد عملية فنزويلا التي نجحت في تغيير النظام من دون أن يسقط جندي أميركي واحد.
وأياً كان الأمر، فلا جدال في أن النتائج المخيّبة للآمال، والتي أسفرت عنها حرب أجبرته على التوقيع على “مذكرة تفاهم” يصعب تسويقها أمام الرأي العام الأميركي، ستظل تذكره بمثالب نتنياهو. لذا فليس من المستبعد أن يتولّد لدى ترامب شعور عميق بالإحباط من نتنياهو الذي ورّطه في حرب لا تخدم سوى مصالحه الشخصية، وأن ينعكس هذا الشعور عميقاً على سياساته طوال الفترة المتبقية من ولايته، وهو ما بدأت ملامحه بالفعل، ولكن على استحياء!!
حسن نافعة – الميادين
