“نيويورك تايمز”: حرب إيران كشفت حدود القوة الأمريكية
بعد أشهر من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن الحرب التي راهن عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق مكاسب استراتيجية انتهت إلى نتائج مختلفة تماماً عما كان مخططاً لها. فبدلاً من إضعاف إيران أو دفعها إلى تغيير سلوكها بشكل جذري، فتحت المواجهة الباب أمام تساؤلات واسعة داخل واشنطن حول جدوى الخيار العسكري ومستقبل العلاقة مع طهران.
هذا ما خلص إليه روبرت مالي، المبعوث السابق للرئيس جو بايدن إلى إيران، والمؤرخ المتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية ستيفن ورثيم، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، اعتبرا فيه أن الحرب قد تتحول، على الرغم من كلفتها العالية، إلى فرصة تدفع الولايات المتحدة لإعادة النظر في نهجها التقليدي تجاه إيران.
ويرى الكاتبان أن ترامب ذهب أبعد من الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه عندما اختار المواجهة العسكرية المباشرة بالتنسيق مع إسرائيل، واضعاً نصب عينيه هدفين رئيسيين: إضعاف النظام الإيراني أو التمهيد لإسقاطه. لكن أياً من هذين الهدفين لم يتحقق، بحسب المقال، فيما انتهت الحرب إلى تفاهمات كان يمكن الوصول إليها عبر المفاوضات ومن دون كلفة المواجهة.
ولم تقتصر الخسارة على الجانب العسكري أو السياسي الخارجي، إذ تحولت الحرب سريعاً إلى عبء داخلي على ترامب. فالمؤيدون للتصعيد العسكري انتقدوا قراره إنهاء القتال قبل تحقيق أهدافه المعلنة، بينما حمّله معارضو الحرب مسؤولية إشعال مواجهة لم تكن ضرورية من الأساس.
ويشير المقال إلى أن ما جرى يعيد إنتاج مشهد مألوف في السياسة الأمريكية؛ حرب تُخاض في الشرق الأوسط تحت شعار إزالة تهديد استراتيجي، ثم تنتهي من دون تحقيق النتائج التي رُوّج لها. غير أن الفارق هذه المرة أن الفشل ظهر بسرعة أكبر، ما جعل كلفته السياسية أكثر وضوحاً.
وبحسب الكاتبين، فإن أبرز ما كشفته الحرب هو محدودية القوة العسكرية في التعامل مع الملف الإيراني. فالهجمات لم تنهِ البرنامج النووي الإيراني، ولم تقضِ على القدرات الصاروخية أو أسطول الطائرات المسيّرة، كما أنها لم تمنع طهران من الاحتفاظ بأوراق ضغط مؤثرة في المنطقة.
وفي المقابل، أعادت الحرب طرح الدبلوماسية كخيار لا يمكن تجاوزه. فبعد سنوات من الحديث عن إمكانية فرض شروط أفضل على إيران عبر الضغوط والعقوبات والتهديدات العسكرية، تبدو واشنطن اليوم أقرب إلى القناعة بأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التفاوض.
ويذهب المقال إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ترامب نفسه قد يكون الشخصية الأمريكية الأكثر قدرة على إبرام اتفاق جديد مع إيران، ليس لأنه غيّر مواقفه، بل لأنه اختبر بنفسه حدود الخيار العسكري واكتشف أن نتائجه لا تتناسب مع حجم المخاطر والتكاليف التي يفرضها.
كما لفت الكاتبان إلى أن الحرب تركت آثاراً تتجاوز العلاقة الأمريكية الإيرانية، إذ كشفت عن توترات غير مسبوقة بين واشنطن وتل أبيب، رغم أن المواجهة بدأت بتنسيق وثيق بين الطرفين. وبرزت هذه الخلافات بصورة أوضح مع الانتقادات العلنية التي وجهها ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراحل التفاوض اللاحقة.
وفي الخليج، أظهرت الحرب أن البنية الأمنية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود لم تعد توفر الحماية الكاملة لحلفائها. فالدول الخليجية وجدت نفسها معرضة لتداعيات الصراع رغم بقائها خارج دائرة المواجهة المباشرة، ما أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ويخلص المقال إلى أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء احتمالات التصعيد، فترامب لا يزال يلوّح بالعودة إلى الخيار العسكري إذا تعثرت التفاهمات مع طهران. لكن التجربة الأخيرة، وفق الكاتبين، جعلت الحرب أقل جاذبية بالنسبة له ولصناع القرار الأمريكيين، بعدما تحولت من مشروع نصر سريع إلى أزمة سياسية وعسكرية لم تحقق الأهداف التي انطلقت من أجلها.
وبينما تبقى مآلات التفاهمات الحالية غير محسومة، يرى مالي وورثيم أن الدرس الأهم الذي خرجت به واشنطن من هذه المواجهة هو أن المشكلات المعقدة في الشرق الأوسط لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وأن التفاوض، مهما بدا صعباً، يبقى أقل كلفة من الحروب وأكثر قدرة على إنتاج نتائج قابلة للاستمرار.
