هآرتس: قلق داخل الجيش “الإسرائيلي” من جدوى جولة جديدة ضد إيران

تتزايد داخل المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” التساؤلات بشأن الجدوى الفعلية من الانخراط في جولة جديدة من المواجهة مع إيران، في ظل تصاعد المؤشرات إلى احتمال توسيع الهجمات الأميركية في منطقة الخليج، ورفع الجيش “الإسرائيلي” مستوى التأهب تحسبًا لتطورات قد تعيد “إسرائيل” إلى الحرب.

ويقول المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، إن القلق لا يقتصر على احتمال اندلاع المواجهة، بل يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بالمصلحة “الإسرائيلية” الحقيقية من استئناف العمليات العسكرية، بعيدًا عن الحسابات السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

واشنطن تراهن على حملة قصيرة
بحسب التقرير، يتمثل الهدف المحتمل من التصعيد الأميركي في ممارسة ضغط عسكري مكثف على إيران، لدفعها إلى العودة إلى المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن.

ويأمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تؤدي حملة عسكرية تستمر نحو أسبوع إلى استئناف المحادثات، فيما يصف ضباط أميركيون هذه المقاربة بأنها محاولة لـ“إخماد الحريق عبر الانفجار”، أي استخدام ضربة قوية ومركزة لوقف التصعيد.

لكن الصحيفة تشكك في قدرة الضغوط العسكرية، رغم التفوق الأميركي، على إجبار طهران على تقديم تنازلات سريعة أو العودة بسهولة إلى طاولة التفاوض.

تفاهم انهار سريعًا
يشير التقرير إلى أن ترمب كان قد تراجع، في منتصف حزيران/يونيو، عن معظم مطالبه، ووقّع مذكرة تفاهم مع طهران، بالتزامن مع بدء سحب بعض الطائرات والوحدات العسكرية الأميركية من منطقة الخليج.

وجاء هذا التوجه، وفق الصحيفة، بعدما أثقلت الحرب كاهل الإدارة الأميركية، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، وضعف التأييد الشعبي، وتزايد المخاوف من انعكاساتها على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

لكن التفاهم لم يصمد، إذ عادت إيران، بحسب التقرير، إلى استهداف السفن العابرة في مضيق هرمز، في محاولة لفرض ترتيبات جديدة تتيح لها تحصيل رسوم عبور وتوفير موارد إضافية لخزينتها.

غموض في قمة السلطة
تواجه الأجهزة “الإسرائيلية”، بحسب هآرتس، صعوبة في فهم طريقة إدارة مجتبى الخامنئي للسلطة، في ظل بقائه بعيدًا عن الظهور وتأخره في توضيح مواقفه حتى للمقربين منه.

وترى الصحيفة أن هذا الغموض ينعكس على عملية اتخاذ القرار في طهران، ويؤدي أحيانًا إلى عمليات عسكرية قد لا تكون منسجمة بالكامل مع التوجيهات الرسمية.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى إطلاق النار على السعودية، وإطلاق صواريخ في اتجاه مدينة العقبة الأردنية، ما أدى إلى سقوط شظايا صواريخ اعتراض داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأثار حالة تأهب داخل الحكومة والجيش “الإسرائيلي”.

ومع ذلك، بقي تقدير هيئة الأركان أن طهران لا تزال تتجنب، حتى الآن، تجاوز الخط الأحمر الذي قد يؤدي إلى انخراط “إسرائيل” مباشرة في الحرب.

لا حلول سهلة
استأنفت الولايات المتحدة، قبل نحو أسبوعين، قصف أهداف داخل إيران، ردًا على استهداف الملاحة في مضيق هرمز.

وشملت الغارات بطاريات دفاع جوي، ورادارات، ومراكز قيادة، إلى جانب بعض منشآت البنية التحتية، فيما هدد ترمب بقصف الجسور والطرقات ومحطات الطاقة ردًا على أي استهداف جديد للسفن.

وفي الوقت نفسه، أعادت “إسرائيل” الملف النووي الإيراني إلى واجهة النقاش، من خلال تسريبات تناولت منشأة تحت الأرض قرب مفاعل نطنز، يُشار إليها باسم “الجبل المسحور”، وتضم أجهزة طرد مركزي متقدمة.

وترى الصحيفة أن الهدف من هذه التسريبات هو التأكيد أن الأزمة لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تشمل أيضًا البرنامج النووي الإيراني.

خلاف داخل الأجهزة “الإسرائيلية”
وفق التقرير، يبدو أن شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” أقل اقتناعًا بوجود تهديد نووي جديد يتطلب هجومًا فوريًا، فيما يقر سلاح الجو “الإسرائيلي” بعدم امتلاكه قدرة مؤكدة على تدمير أجهزة الطرد المركزي الموجودة في المنشأة العميقة.

وفي المقابل، زار رئيس الموساد رومان غوفمان واشنطن، وحذّر الإدارة الأميركية من المخاطر المرتبطة بالموقع.

ويعكس هذا التباين خلافًا داخل المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” بشأن حجم التهديد، وجدوى توسيع العمليات العسكرية.

محاولة لاستدراج إيران
يتحدث التقرير عن إشارات يطلقها مقربون من نتنياهو توحي بأن “إسرائيل” قد تكون حصلت على موافقة أميركية لشن هجوم جديد.

وترى الصحيفة أن الهدف المحتمل من هذه الرسائل هو دفع إيران إلى الاعتقاد بأن الهجوم وشيك، بما قد يدفعها إلى تنفيذ ضربة استباقية تمنح “إسرائيل” غطاءً دوليًا للرد.

لكن هذه المقاربة تثير مخاوف داخل الجيش، بسبب احتمال انزلاق الأحداث إلى حرب أوسع لا تملك “إسرائيل” تصورًا واضحًا لنهايتها أو أهدافها.

حسابات نتنياهو السياسية
يلفت التقرير إلى أن نتنياهو كشف جانبًا من حساباته الداخلية عندما تحدث عن احتمال إلغاء الانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود في حال تجدد الحرب مع إيران.

وترى الصحيفة أن العودة إلى الحرب قد تمنحه فرصة لتجاوز أزمات سياسية داخلية، وإعادة ترتيب المشهد الانتخابي بما يخدم موقعه الشخصي.

كلفة مرتفعة ونتائج محدودة
بحسب هآرتس، بدأت الأسئلة بشأن جدوى الحرب تتسلل من غرف العمليات إلى القيادات العسكرية العليا.

فإذا كانت الجولة الجديدة ستستمر أسبوعًا أو أسبوعين فقط، ولا تهدف إلى إسقاط النظام، ولا تستطيع القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي، فإن المكاسب المحتملة تبدو محدودة مقارنة بحجم المخاطر.

وقد تضطر “إسرائيل” إلى إنفاق عشرات المليارات من الشواكل، وتعريض طياريها وطائراتها للخطر، وتحمل ضربات صاروخية جديدة على الجبهة الداخلية، من دون تغيير جوهري في الواقع الاستراتيجي.

كما تبقى القضية الأكثر تعقيدًا بلا حل، وهي مصير نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الذي تحتفظ به إيران في منشأة فوردو.

حرب ابتعدت عن أهدافها
يخلص التقرير إلى أن الحرب على إيران أصبحت أكثر تعقيدًا، وابتعدت كثيرًا عن الأهداف التي رُسمت لها في شباط/فبراير.

ولا تبدو هناك حلول عسكرية سهلة، فيما يتمثل المسار البديل في استمرار الضغط الأميركي على مضيق هرمز، بهدف استنزاف الاقتصاد الإيراني ودفع الداخل إلى الاحتجاج.

لكن هذا الخيار أيضًا لا يقدم ضمانات واضحة، ويعتمد على رهان طويل الأمد قد تكون كلفته السياسية والاقتصادية مرتفعة.

وفي ظل هذه المعطيات، تواجه القيادة الأمنية “الإسرائيلية” أسئلة أساسية لا يمكن تجاهلها: ماذا يمكن أن تحقق “إسرائيل” في جولة جديدة؟ وما حجم المخاطر التي ستتحملها؟ وهل تخدم هذه الحرب المصلحة الأمنية، أم الحسابات السياسية لنتنياهو؟