دراسة: حرب ترامب على إيران أخفقت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية رغم المكاسب العسكرية

خلصت دراسة أكاديمية أعدها الباحث في العلاقات الدولية البروفيسور عوض سليمية إلى أن الحرب التي خاضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، رغم ما وصفته بالمكاسب العسكرية والتكتيكية التي أحرزتها القوات الأميركية خلال العمليات. وترى الدراسة أن سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها واشنطن لم تتمكن من تحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج سياسية مستدامة، نتيجة اضطراب الأهداف وتبدل أولويات التفاوض، بما منح طهران هامشاً أوسع للمناورة السياسية.

وتوضح الدراسة، الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي، أن الجدل الأكاديمي حول استراتيجية إدارة ترامب ينقسم إلى اتجاهين رئيسيين؛ الأول يرى أن واشنطن اعتمدت سياسة إكراه استراتيجي هدفت إلى إعادة تشكيل سلوك إيران وتحسين شروط التفاوض عبر الجمع بين الضغوط العسكرية والاقتصادية، فيما يعتبر الاتجاه الثاني أن إدارة الحرب افتقرت إلى رؤية استراتيجية متماسكة، واعتمدت بدرجة كبيرة على ردود الفعل والقرارات الظرفية.

سياسة الضغط الأقصى
ترى الدراسة أن إدارة ترامب سعت إلى إضعاف النظام الإيراني عبر حملة عسكرية واسعة رافقتها عقوبات اقتصادية وضغوط سياسية مكثفة، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

لكن الباحث يرى أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها الأساسية، إذ لم تدفع إيران إلى تغيير سلوكها أو التخلي عن برنامجها النووي أو تقليص نفوذها الإقليمي، بل دفعتها إلى اعتماد ما تصفه الدراسة بسياسة “المقاومة القصوى”، مع مواصلة تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز وسائل الردع.

وتشير الدراسة إلى أن عدداً من الأبحاث الغربية يذهب إلى أن العقوبات الاقتصادية قد ترفع كلفة الخيارات أمام الخصم، لكنها نادراً ما تكون كافية لإجباره على تغيير سياساته الاستراتيجية.

إنجازات تكتيكية
وبحسب الدراسة، فإن العمليات العسكرية الأميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية واسعة، إلا أن هذه الإنجازات بقيت في إطار المكاسب التكتيكية، ولم تتحول إلى نتائج سياسية يمكن البناء عليها.

كما تشير إلى أن الاتفاق الأولي الذي أوقف الحرب كشف تحولاً في أولويات التفاوض، بعدما غابت عنه ملفات اعتبرتها واشنطن سابقاً أهدافاً رئيسية، مثل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، مقابل التركيز على قضايا أخرى، بينها مضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة، وصندوق التعويضات والاستثمار.

وتستعرض الدراسة آراء عدد من الباحثين الغربيين الذين يرون أن هذا الاتفاق منح إيران مكاسب سياسية واقتصادية، وأضعف قدرة الولايات المتحدة على مواصلة سياسة العقوبات بالشكل الذي كانت تتبعه سابقاً.

الغموض الاستراتيجي
وتتناول الدراسة أيضاً ما تسميه “الغموض الاستراتيجي” في إدارة الحرب، معتبرة أن إدارة ترامب افتقرت إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع، وأن أهدافها المعلنة تغيرت بصورة متكررة، بدءاً من القضاء على البرنامج النووي، مروراً بإضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، وصولاً إلى تغيير النظام في طهران.

وترى أن هذا التبدل انعكس في تصريحات متناقضة لكبار المسؤولين الأميركيين، وأدى إلى غياب تصور واضح لإدارة تداعيات الحرب، وهو ما دفع عدداً من المحللين إلى اعتبار الأداء الأميركي تعبيراً عن غموض استراتيجي أكثر منه خطة متكاملة.

تحديات دفعت إلى التهدئة
وتلفت الدراسة إلى أن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية ساهمت في دفع إدارة ترامب إلى القبول بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات جديدة مع إيران، أبرزها تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، وارتفاع كلفتها الاقتصادية والعسكرية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي، ورفض عدد من الحلفاء الأوروبيين المشاركة العسكرية، إضافة إلى امتناع دول الخليج عن الانخراط في الحرب، واستخدام روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع أميركي يتعلق بمضيق هرمز، واستمرار قدرة إيران على التأثير في أمن الطاقة العالمي.

وترى الدراسة أن هذه المعطيات دفعت واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها والانتقال إلى مسار تفاوضي لمعالجة القضايا العالقة.

هدنة لا تنهي الصراع
وتخلص الدراسة إلى أن الهدنة الممتدة ستين يوماً لا تمثل نهاية للأزمة، بل تشكل فترة مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي، والتخصيب، والصواريخ الباليستية، والعقوبات، والدور الإقليمي لإيران.

وترى أن احتمالات استئناف المواجهة العسكرية تبقى قائمة، مع استمرار تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية وعدم استعداده لتقديم تنازلات استراتيجية للطرف الآخر.