تحليل أميركي: الضغوط على إيران عززت تماسكها وأخفقت في تحقيق أهدافها السياسية
رأى موقع “Antiwar” الأميركي أن العدوان الأميركي و”الإسرائيلي” الأخير على إيران لم يحقق الأهداف السياسية المرجوة، بل أسهم في تعزيز تماسك الدولة الإيرانية على المدى القريب، ما يفرض إعادة تقييم جدوى الاعتماد على القوة العسكرية والعقوبات بوصفهما وسيلتين لإحداث تغيير سياسي في طهران.
وأوضح الكاتب بيتر رودغرز أن تقييم نتائج الحروب لا يقتصر على حجم الدمار أو المكاسب العسكرية المباشرة، بل يرتبط أساسًا بالنتائج السياسية التي غالبًا ما تتضح بعد انتهاء المواجهات، مشيرًا إلى أن التاريخ يثبت أن كثيرًا من الانتصارات العسكرية تحولت لاحقًا إلى انتكاسات استراتيجية.
وأشار إلى أن الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” ضد إيران ينبغي ألا تُقاس فقط بما ألحقته من أضرار بالمنشآت العسكرية، وإنما بمدى تأثيرها في المشهد الداخلي الإيراني، لافتًا إلى أن سياسة العقوبات والعزلة والضغوط العسكرية لم تُضعف النظام بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن، بل أظهرت واقعًا أكثر تعقيدًا.
ورأى أن مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي عكست قدرة الدولة الإيرانية على إدارة مرحلة انتقالية حساسة وتنظيم فعاليات جماهيرية واسعة، بما عزز صورة الاستمرارية المؤسسية بدلًا من الانهيار، مع التأكيد أن حجم المشاركة الشعبية لا يشكل بمفرده معيارًا حاسمًا لقياس الشرعية السياسية.
وأضاف أن إيران ما زالت تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، إلا أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى تعزيز التماسك الوطني، في ظاهرة يعرفها علماء السياسة باسم “الالتفاف حول العلم”، حيث تتقدم أولوية الدفاع عن السيادة الوطنية على الخلافات الداخلية في أوقات الأزمات.
واستشهد الكاتب بأمثلة تاريخية، منها ارتفاع التأييد الشعبي للإدارة الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر، ووحدة المجتمع البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن هذه الأنماط تؤكد أن التهديدات الخارجية قد تدفع المجتمعات إلى تعزيز تماسكها الداخلي مؤقتًا.
وأشار إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران استندت طوال نحو عقدين إلى فرضية مفادها أن العقوبات والضغوط والعمليات العسكرية ستدفع طهران إلى تغيير سلوكها أو تفضي إلى تغيير النظام، إلا أن المواجهة الأخيرة تستدعي إعادة النظر في هذه المقاربة، لأن الضغط الخارجي قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقوية مؤسسات الدولة بدلًا من إضعافها.
وأكد أن الإنجازات العسكرية لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب سياسية، كما أن التضامن الوطني الذي ينشأ في أوقات الأزمات لا يلغي المشكلات الداخلية على المدى الطويل، لكنه قد يمنح الدولة قدرة أكبر على تجاوز الضغوط الخارجية في المرحلة القريبة.
ورأى الموقع أن إيران ستظل لاعبًا محوريًا في “الشرق الأوسط” بفضل موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية ومواردها الطاقوية، ما يجعل تجاهل دورها في معادلات الأمن الإقليمي أمرًا غير واقعي، مؤكدًا أن هذا التوصيف يعكس قراءة جيوسياسية ولا يمثل تبنيًا للمواقف الإيرانية.
ولفت الكاتب إلى أن التجارب التاريخية، ومنها مفاوضات الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي والانفتاح الأميركي على الصين، تؤكد أن إدارة الصراعات الكبرى تقوم على فهم موازين القوى والتعامل مع الخصوم وفق اعتبارات المصالح الاستراتيجية.
وخلص إلى أن النهج الأكثر فاعلية يتمثل في الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية الفاعلة وإدارة الأزمات والحفاظ على قنوات الاتصال، معتبرًا أن الصراع الأخير أظهر أن القوة العسكرية قد تنتج نتائج سياسية غير متوقعة، وأن العلاقة بين الضغوط الخارجية والتغيير الداخلي أكثر تعقيدًا مما تفترضه نظريات الإكراه التقليدية.
