لماذا بكت ويندي شيرمان على طاولة المفاوضات؟ قراءة في أسلوب التفاوض الإيراني

يستعرض الكاتب إسلام المنسي، في مقال له في موقع الجزيرة نت، ملامح ما يصفه بـ”العقيدة التفاوضية الإيرانية”، محاولًا تفسير السمعة التي اكتسبها المفاوض الإيراني خلال العقود الماضية، من خلال المزج بين شهادات مسؤولين إيرانيين وأميركيين، وقراءات أكاديمية وتجارب تفاوضية امتدت من أزمة الرهائن الأميركية عام 1979 إلى المفاوضات النووية، وصولًا إلى جولات التفاوض الأخيرة بين طهران وواشنطن.

وينطلق المقال من حادثة ترويها ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في الاتفاق النووي لعام 2015، التي كشفت في مذكراتها أنها انهارت باكية خلال إحدى الجلسات بعد أن طلب رئيس الوفد الإيراني عباس عراقجي إعادة فتح ملف سبق الاتفاق عليه، في لحظة وصفتها بأنها بلغت فيها المفاوضات أقصى درجات الإرهاق.

ويشير الكاتب إلى أن عراقجي استحضر هذه الواقعة في كتابه “قوة التفاوض”، معتبرًا أنها تعكس قدرة المفاوض الإيراني على ممارسة الضغط النفسي حتى اللحظات الأخيرة من التفاوض.

التفاوض جزء من الصراع
يرى المقال أن طهران لا تنظر إلى التفاوض باعتباره وسيلة لإنهاء الأزمات، وإنما امتدادًا للصراع السياسي، حيث يُستخدم الزمن والضغط النفسي وإدارة التفاصيل أدوات لتحقيق مكاسب تدريجية.

ويشير إلى أن هذا النهج بدأ يتبلور بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وتطور عبر محطات متعددة، من أزمة الرهائن الأميركيين، مرورًا بصفقة إيران كونترا، ثم مفاوضات إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، وصولًا إلى الملف النووي.

ويستعرض الكاتب آراء نسبت إلى هنري كيسنجر، الذي ربط بين الدبلوماسية الإيرانية والإرث التاريخي لبلاد فارس، مع الإشارة إلى أن تطور العقيدة التفاوضية الحديثة يرتبط أيضًا بتجارب الجمهورية الإسلامية وشعورها بتراكم الضغوط والتدخلات الخارجية.

أسلوب “البازار”
ويخصص المقال مساحة لشرح ما يعرف بأسلوب “البازار” في التفاوض، وهو الوصف الذي يستخدمه عباس عراقجي في كتابه “قوة التفاوض” للإشارة إلى المساومة الطويلة والمتدرجة.

وبحسب الكاتب، يقوم هذا الأسلوب على الصبر، والتكرار، والتمسك بالهدف النهائي مع تغيير الوسائل، إضافة إلى التعامل مع المفاوضات باعتبارها عملية معقدة تتطلب إدارة دقيقة لكل كلمة وتفصيل.

ويستشهد كذلك بتصريحات لوزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو، الذي وصف الإيرانيين بأنهم من أصعب المفاوضين، وبما كتبته ويندي شيرمان عن تشبيه المفاوضات مع إيران بمكعب “روبيك”، حيث يؤدي تعديل عنصر واحد إلى إعادة ترتيب بقية عناصر الاتفاق.

الزمن كورقة ضغط
ويعتبر الكاتب أن أحد أهم عناصر المدرسة الإيرانية في التفاوض هو استخدام عامل الوقت بوصفه أداة ضغط، لا مجرد إطار زمني للمحادثات.

ويشير إلى أن طهران غالبًا ما تراهن على تغير الظروف السياسية لدى خصومها، سواء من خلال الانتخابات أو تبدل الإدارات أو الضغوط الداخلية، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة.

وفي هذا السياق، يستعرض تجربة المفاوضات النووية عام 2015، حيث امتدت الجلسات لأسابيع، بينما كانت واشنطن تواجه ضغوطًا داخلية لإنجاز الاتفاق ضمن مهل زمنية محددة، في حين أظهر الوفد الإيراني استعدادًا لمواصلة التفاوض دون استعجال.

كما ينقل عن كتاب “خسارة عدو.. أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية” للأكاديمي تريتا بارسي أن المواعيد النهائية كانت جزءًا من لعبة المساومة بين الطرفين، وليست مجرد مواعيد تنظيمية.

الضغوط الميدانية والسياسية
ويشير المقال إلى أن طهران لا تفصل، وفق رؤية الكاتب، بين الميدان والتفاوض، إذ يعتبر أن الضغوط العسكرية أو السياسية قد تتصاعد بالتزامن مع اقتراب الاتفاقات، بهدف تحسين شروط التفاوض.

كما يلفت إلى استخدام تعدد مراكز القرار داخل إيران، عبر تباين مواقف الحرس الثوري والحكومة ووزارة الخارجية، بما يمنح المفاوض الإيراني هامشًا إضافيًا للمناورة، ويتيح له الإشارة إلى وجود ضغوط داخلية تحد من قدرته على تقديم تنازلات.

البراغماتية خلف الخطاب
ويرى الكاتب أن السياسة الإيرانية تجمع بين الخطاب الثوري والسلوك البراغماتي، مستشهدًا بمحطات شهدت مفاوضات أو اتصالات غير معلنة مع الولايات المتحدة رغم استمرار الخطاب العدائي بين الجانبين.

ويورد أمثلة على ذلك، منها قضية إيران كونترا، والمفاوضات النووية السرية التي سبقت الإعلان الرسمي عنها، إضافة إلى ما أثير حول قنوات الاتصال خلال أزمات إقليمية مختلفة.

كما يشير إلى أن طهران تمنح أهمية كبيرة للجوانب الرمزية، مثل تجنب اللقاءات المباشرة أو الاعتماد على الوسطاء، بما يحافظ على صورة الخطاب السياسي الداخلي دون إغلاق قنوات التفاوض.

بين السمعة والواقع
ورغم السمعة التي اكتسبها المفاوض الإيراني، يؤكد الكاتب أن الدبلوماسية الإيرانية لم تحقق النجاح في جميع المحطات، وأنها واجهت انتكاسات وصراعات داخلية أثرت في بعض الملفات.

ويستشهد بمذكرات وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، التي كشفت عن خلافات داخل مؤسسات صنع القرار، وعن حدود الدور الذي كان يؤديه الفريق الدبلوماسي في بعض القضايا.

ويخلص المقال إلى أن قوة المفاوض الإيراني لا ترتبط فقط بالأوراق التي يمتلكها، وإنما أيضًا بالصورة الذهنية التي نجح في ترسيخها لدى خصومه، باعتباره مفاوضًا يمتلك قدرة كبيرة على الصبر وإدارة الوقت وتحمل كلفة الصراع لفترات طويلة.