لماذا يرى بريت ماكغورك أن اتفاق واشنطن وطهران يربح الوقت أكثر مما يحل الأزمات؟
يرى بريت ماكغورك، محلل الشؤون الدولية في CNN والمسؤول السابق في إدارات جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن، في مقال له في موقع CNN، أن مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية إثارة للجدل، إذ تجمع بين الغموض الشديد في صياغتها والتباين الواسع في تفسير بنودها، بينما تتيح للطرفين احتواء التصعيد العسكري وشراء مزيد من الوقت دون أن تقدم حلولًا واضحة للخلافات الأساسية.
ويشير الكاتب إلى أن الوثيقة، المؤلفة من 14 بندًا فقط، تعرضت لانتقادات داخل الولايات المتحدة من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، إذ اعتبرها منتقدون اتفاقًا يفتقر إلى التفاصيل مقارنة بالاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015، والذي تضمن التزامات وإجراءات أكثر تفصيلًا.
خلافات حول تفسير الاتفاق
بحسب الكاتب، لا يقتصر الخلاف بين واشنطن وطهران على تنفيذ المذكرة، بل يمتد إلى تفسير معظم بنودها.
ففي حين ترى الإدارة الأميركية أن الاتفاق يربط تخفيف العقوبات باتخاذ إيران خطوات عملية، تؤكد طهران أن رفع العقوبات يجب أن يسبق أي التزامات إضافية، كما تختلف الروايتان بشأن آلية استخدام الأموال الإيرانية المجمدة وحدود الالتزامات المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويلفت المقال إلى أن إيران اعتبرت أن المذكرة لا تفرض عليها ضمان حرية الملاحة بصورة مطلقة، بينما ردت الولايات المتحدة عسكريًا على استهداف سفن تجارية، معتبرة أن ذلك يخالف التفاهمات.
لبنان ضمن نقاط الخلاف
ويتناول الكاتب البند المتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، معتبرًا أنه من أكثر البنود غموضًا، إذ خلا من التفاصيل التنفيذية.
ويشير إلى أن إيران رأت أن هذا البند يفرض انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان، بينما اعتبرت الولايات المتحدة أن الاتفاق اللاحق بين لبنان و”إسرائيل”، الذي يربط الانسحاب ببسط الجيش اللبناني سيطرته على المناطق الحدودية وإبعاد حزب الله عنها، ينسجم مع المذكرة، وهو تفسير ترفضه طهران.
مفاوضات متعثرة
ويستعرض المقال تعثر الجهود الهادفة إلى إطلاق محادثات تفصيلية لتنفيذ المذكرة، موضحًا أن اللقاءات التي كان يفترض أن تجمع الوفدين الأميركي والإيراني في الدوحة لم تتحقق، واقتصرت الاتصالات على وسطاء قطريين، فيما بقيت الخلافات قائمة بشأن شكل المفاوضات ومستواها.
ويرى الكاتب أن هذا الواقع يعكس حجم التباعد بين الطرفين، ويجعل فرص التوصل إلى اتفاق نووي شامل في المدى القريب محدودة.
كسب الوقت هدف مشترك
ورغم الانتقادات، يعتبر ماكغورك أن القيمة الأساسية للمذكرة تكمن في منح الطرفين فرصة لاحتواء التصعيد العسكري.
ويستشهد بمقولة وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر بأن رجال الدولة يلجؤون إلى المفاوضات عندما يريدون كسب الوقت، معتبرًا أن هذا الوصف ينطبق على كل من واشنطن وطهران.
ويشير إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز كان يحمل تداعيات اقتصادية كبيرة على الطرفين وعلى الاقتصاد العالمي، ما جعل التوصل إلى تفاهم أولي يخدم مصلحة الجميع في هذه المرحلة.
عوامل يعتبرها الكاتب داعمة للموقف الأميركي
ويعرض المقال مجموعة من المؤشرات التي يرى أنها قد تمنح الولايات المتحدة أفضلية نسبية خلال المرحلة الحالية.
فمن وجهة نظره، لم تستأنف إيران عمليات تخصيب اليورانيوم، بينما يواجه اقتصادها انكماشًا حادًا وارتفاعًا كبيرًا في معدلات التضخم، الأمر الذي يحد من قدرتها على الاستفادة السريعة من أي تخفيف للعقوبات.
كما يشير إلى تراجع أسعار النفط العالمية منذ توقيع المذكرة، وهو ما انعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، في حين يرى أن الضغوط الإقليمية على حلفاء إيران مستمرة، بالتوازي مع محاولات بعض الدول تقليل اعتمادها على مضيق هرمز عبر تطوير بدائل لنقل الطاقة.
مستقبل الاتفاق
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل المذكرة لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، مرجحًا استمرار الوضع القائم خلال الفترة المقبلة، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
ويرى أن الاتفاق لم ينهِ الخلافات الجوهرية بين الطرفين، لكنه نجح، حتى الآن، في الحد من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، والحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي رغم ما يحيط بها من غموض وتعقيدات.
