اقتصاد

من جنوب فارس إلى بوشهر: كيف أعادت الضربات تشكيل استراتيجية الطاقة الإيرانية؟

عندما أصابت الضربات الإسرائيلية المرحلة 14 من حقل جنوب فارس، فإنها استهدفت أكبر حقل غاز في العالم في وقت كان فيه نظام الطاقة الإيراني يعاني أساساً من ضغوط كبيرة. فقد كانت أزمات الكهرباء، واختلالات الوقود، وارتفاع الطلب قد تركت هامشاً ضئيلاً للمناورة.

تعرّضت وحدات في حقل جنوب فارس للقصف، فيما واجهت منشآت في عسلوية، ومواقع تخزين الوقود، والبنية التحتية للتكرير المرتبطة بالشبكة الوطنية ضغوطاً أيضاً.

طال الاستهداف حلقات الإنتاج والمعالجة والتوزيع، ما ترك النظام يعمل بمرونة أقل وهوامش إمداد أكثر ضيقاً.

ووصف رئيس لجنة الطاقة الإيرانية موسى أحمدي الضربات بأنها محاولة «لإرباك سلسلة إمداد الوقود ونظام التوزيع، وإثارة السخط العام، وبثّ شعور بانعدام الأمن».

وفي نيسان/نيسان، قال نائب وزير الطاقة لشؤون الكهرباء مصطفى رجبـي مشهدي إن أكثر من ألفي نقطة من البنية التحتية الكهربائية في أنحاء البلاد تعرّضت للاستهداف، بما في ذلك خطوط النقل، والمحطات الفرعية، ومكوّنات الشبكة الكهربائية.

وعلى الرغم من ذلك، جرى في كثير من الأحيان إعادة التيار خلال ساعات، ما يشير إلى أن النظام لا يزال قادراً على الاستجابة السريعة تحت الضغط.

نظام يعاني أساساً من الضغوط
قبل وقت طويل من الضربات، كان قطاع الطاقة الإيراني يواجه ضغوطاً متزايدة. وبحلول عام 2025، واجهت البلاد عجزاً كهربائياً يقدّر بنحو 25 ألف ميغاواط، مع ظهور النقص بالفعل خلال فترات ذروة الطلب الصيفي. كما أصبحت حالات العجز الموسمي في الغاز أمراً معتاداً، مدفوعة بالدعم الكبير، وارتفاع الاستهلاك المنزلي، وسنوات من نقص الاستثمار، والقيود التي فرضتها العقوبات.

ويعتمد ما يقرب من نصف إنتاج الكهرباء على الغاز المستخرج من حقل جنوب فارس، ما يجعل أي تعطيل مستهدف يتحول إلى ضغط يطال النظام بأكمله.

وفي الوقت نفسه، بدأت إيران استيراد البنزين، وهو وضع غير مألوف لدولة تعد من كبار منتجي الهيدروكربونات. فقد تجاوز نمو الاستهلاك وتيرة تطوير البنية التحتية، بينما شجعت التشوهات السعرية على الهدر بدلاً من الكفاءة. كما استمرت كثافة استهلاك الطاقة في الارتفاع، مع تفوق نمو الاستهلاك على مكاسب الإنتاج.

وتقدّر بعض التقييمات كلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة والصناعة في إيران بما يتراوح بين 7 و9 مليارات دولار، رغم أن الأرقام تختلف بشكل كبير.

وفي قطاع البتروكيماويات الإيراني، برز تراجع الإنتاج، وانخفاض الصادرات، ونقص العملات الأجنبية، والضغوط على سوق العمل كأبرز النتائج المباشرة للضربات.

الإصلاح… وإعادة الضبط
تحركت طهران بسرعة لاحتواء الأضرار، إلا أن الاستجابة لم تقتصر على أعمال الإصلاح. فقد دخلت المنشآت المتضررة في عملية ترميم تدريجية بعد وقت قصير من الضربات، مع توقع عودة بعض الوحدات إلى الخدمة خلال أشهر، فيما ستلحق بها وحدات أخرى لاحقاً. وتحتل أمن الطاقة موقعاً مركزياً في التخطيط الحكومي، وقد نُظّمت الاستجابة وفقاً لذلك.

أما التحول الأكثر أهمية فهو مؤسساتي، إذ انتقل التركيز من توسيع الإمدادات إلى إدارة الطلب.

وبدلاً من رفع الأسعار، تتجه السلطات إلى استخدام الحوافز، عبر مكافأة الاستهلاك المنخفض، ونشر العدادات الذكية، وتشديد الرقابة. كما أُنشئت هيئات تنسيقية جديدة لدفع هذا التحول، عبر دمج الكفاءة في السياسات اليومية بدلاً من التعامل معها كحل مؤقت.

وأكد المسؤولون بصورة متزايدة أهمية المشاركة العامة في إدارة الطلب، معتبرين أن استهلاك الطاقة ليس مجرد قضية تقنية، بل قضية مجتمعية أيضاً.

ويتحول نهج الحكومة تدريجياً من «توفير استهلاك الطاقة» إلى «حوكمة استهلاك الطاقة»، مع الاعتماد على الأدوات الذكية وتغيير السلوك لسد جزء من الاختلال القائم.

الكفاءة تتحول إلى استراتيجية
تجاوزت القدرة الكهربائية لإيران حاجز 100 ألف ميغاواط، مع استمرار هيمنة المحطات الحرارية على القطاع. وتتمثل الاستراتيجية الحالية في استخراج المزيد من الإمكانات مما هو موجود بالفعل.

وتسهم ترقيات محطات الدورة المركبة في رفع الكفاءة، ما يسمح بإنتاج كمية أكبر من الكهرباء من الحجم نفسه من الوقود. وتشكل هذه الترقيات جزءاً من توجه أوسع يستند إلى 25 استراتيجية وطنية للطاقة.

وتنتقل الشبكات الذكية، والمراقبة الرقمية، وأنظمة الاستجابة للطلب إلى صدارة آليات تشغيل النظام. ولم يعد خفض الفاقد في النقل، وترشيد الاستخدام الصناعي، وتوجيه الاستهلاك المنزلي إجراءات جانبية، بل أصبحت جزءاً من الإدارة اليومية.

ومن دون الحد من الهدر، يتم استيعاب أي زيادة في الإنتاج بسرعة. وقد دفعت هذه الحقيقة بالكفاءة إلى صلب الاستراتيجية.

تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الاعتماد على الغاز
أصبح الاعتماد على مصدر وقود واحد أكثر صعوبة في الاستمرار مع تزايد الضغوط على النظام. وتشهد مصادر الطاقة المتجددة توسعاً متزايداً، مع تنفيذ مئات المشاريع الشمسية. ورغم أن مساهمتها في إجمالي التوليد لا تزال محدودة، فإن طهران تنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها وسيلة لتخفيف الضغط على شبكة الغاز وتقليل نقاط الضعف التي كشفتها الحرب.

كما تكتسب الطاقة النووية أهمية متزايدة. فقد حققت محطة بوشهر إنجازات رئيسية، مساهمةً في استقرار الإمدادات، وفي الوقت نفسه مبرزةً المخاطر المرتبطة باستهداف مثل هذه المنشآت.

وتظهر الأرقام الحديثة أن المحطة أنتجت عشرات المليارات من الكيلوواط/ساعة من الكهرباء، ما يعزز دورها في تنويع مصادر الإمداد.

وتشير النقاشات المتعلقة بتوسيع القدرة النووية عبر التعاون مع روسيا إلى تحول أطول أمداً في مزيج الطاقة، بما يشمل احتمال تطوير مفاعلات متعددة في إطار الاتفاقيات القائمة.

كما لا تزال خيارات أخرى قيد الدراسة. وتُظهر بيانات استكشاف جديدة أن احتياطيات الفحم قد تكون قادرة على تلبية الطلب المحلي لعقود، مع وجود خطط لإضافة قدرات جديدة تعمل بالفحم.

وبمجملها، تشير هذه الجهود إلى محاولة أوسع لتقليل الهشاشة البنيوية للنظام بدلاً من الاعتماد على مصدر وقود مهيمن واحد.

تدفقات النفط تتكيّف
حتى في ظل العقوبات والحرب المستمرة، يواصل قطاع النفط الإيراني عمله. وتواجه الصادرات، ولا سيما عبر المسارات البحرية، اضطرابات، إلا أن الإنتاج مستمر من خلال الاستيعاب المحلي، والخيارات اللوجستية البديلة، والإدارة المرنة للإنتاج. كما يبدو أن مآذارات التخزين والتصدير تشهد تعديلات، مع زيادة استخدام مرافق التخزين البرية وقنوات أقل شفافية.

ويُوجَّه جزء أكبر من النفط الخام إلى التكرير المحلي، ما يحافظ على مستويات الإنتاج ويخفف من الصدمات الخارجية، بينما تمنح القدرات التكريرية المتوسعة طهران مجالاً لإعادة توجيه الكميات عند تضييق قنوات التصدير والحفاظ على سلامة الحقول.

وقد قيدت العقوبات الصادرات، لكنها لم تلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بالقدرة الإنتاجية، وفقاً للتقارير المتعلقة بتأثير الحصار البحري ومرونة الإنتاج.

إعادة رسم المسارات
مع تعرض مسارات التصدير التقليدية للضغوط، تتوسع البدائل المتاحة.

فقد عملت طهران على تطوير ممرات برية وإقليمية تربط آسيا الوسطى وروسيا وجنوب آسيا والدول المجاورة. وتقلل هذه المسارات من الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية وتوسع الخيارات المتاحة لنقل الطاقة والتجارة معاً.

وبالتوازي مع ذلك، تطرح تصاميم جديدة للعبور إيران كحلقة وصل بين شبكات الطاقة الأوراسية والإقليمية، بما يتجاوز طرق التصدير التقليدية.

ويعد ممر الشمال – الجنوب، إضافة إلى خطوط السكك الحديدية والأنابيب المرتبطة به، محورياً في هذا التحول، إذ يضع إيران في موقع مركز عبور بين أسواق إقليمية مختلفة.

كما يضيف التعاون مع روسيا والصين بُعداً آخر، خصوصاً في مجالات البنية التحتية وتنسيق الطاقة، بما في ذلك التعاون النووي الروسي – الإيراني واتفاقيات الممرات.

دبلوماسية الطاقة وأوراق النفوذ الخارجية
تُستخدم سياسة الطاقة أيضاً كأداة لتعزيز الموقع الخارجي.

فقد بات المسؤولون الإيرانيون يقدّمون القطاع بصورة متزايدة ضمن إطار جيوسياسي، رابطين إياه بجهود أوسع لإعادة تشكيل اصطفافات الطاقة، بما في ذلك الدعوات إلى نظام عالمي أكثر عدالة للطاقة. كما يعزز الدعم الروسي لإعادة بناء البنية التحتية هذا التوجه.

ويعكس هذا الاصطفاف محاولة أوسع لدمج استراتيجية الطاقة مع السياسة الخارجية، بما يضع إيران ضمن شبكات الطاقة الناشئة غير الغربية.

القيود التي لا تزال قائمة
مع ذلك، كشفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران عن نقاط ضعف هيكلية لا تزال من دون معالجة.

فلا يزال الاعتماد الكبير على الغاز، وارتفاع الاستهلاك المحلي، والثغرات في البنية التحتية يشكلون عبئاً على النظام. كما تعكس الزيادة في كثافة استهلاك الطاقة في إيران استمرار نمو الاستهلاك بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج.

وركز البرلمان على تقليص الاختلالات، وخفض الاعتماد على الواردات، وتنسيق إدارة الاستهلاك والموارد.

ويشير الخبراء أيضاً إلى وجود ثغرات في التخطيط وهشاشة في الشبكة. وفي الوقت نفسه، تواصل العقوبات، والقيود الاستثمارية، والمخاطر الجيوسياسية الحد من الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا، ما يبطئ وتيرة التحول حتى مع تزايد الحاجة إليه.

انتقال أسرع
لم تصمد التوقعات التي رجّحت أن تؤدي الضربات إلى شل قطاع الطاقة الإيراني. فقد كانت الأضرار كبيرة، لكن حجم الاستجابة كان كبيراً أيضاً.

وتتواصل أعمال الإصلاح، بينما انتقلت الكفاءة من مستوى الخطاب إلى مستوى السياسات الفعلية، كما تستمر القدرات الجديدة في التوسع. وتجري إعادة تشكيل مسارات التصدير، فيما يتجه نظام الحوكمة بصورة متزايدة نحو إدارة الطلب.

وقد تمكن النظام من استيعاب ضغوط مستمرة طالت عدداً من المراكز والمحاور الحيوية من دون أن يتوقف عن العمل.

وما يتضح في نهاية المطاف ليس نظاماً تجنب الأضرار، بل نظاماً يجري دفعه نحو التغيير بوتيرة أسرع مما كان سيحدث في الظروف العادية.
فرزاد رمضاني بونيش – thecradlearabic