تطرح الحرب الإيرانية، بما تحمله وتعدد مسارح الاشتباك سؤالا جوهريا حول انعكاساتها غير المباشرة على توازنات القرن الإفريقي، وهي منطقة تتسم دولها أصلا بهشاشة ممتدة، وتقاطعات حادة بين المحلي والإقليمي والدولي، وعلى خلاف الانطباع الأول بأن هذه الحرب بعيدة جغرافيا عن الإقليم، فإن منطق الترابط الجيو سياسي يفرض قراءة عميقة، تأخذ بعين الاعتبار ديناميات الأمن البحري، وشبكات التحالفات غير الرسمية من الفصائل المسلحة، وطبيعة النظم السياسية التي تواجه تحديات الانقسام القومي والاجتماعي، فضلًا عن الفرص التي تتيحها لحكومات المنطقة؛ لإعادة ترتيب أولوياتها أو تمرير أجنداتها الخاصة لتعديل الأوزان بين دول القرن الإفريقي.
وطبقا لذلك، فإن الحرب الإيرانية تعيد تشكيل بيئة الفرص والقيود في القرن الإفريقي عبر ما يمكن تسميته بنمط الارتدادات غير المباشرة، فالإقليم الذي يعاني أصلا من هشاشة مؤسسات الدولة الوطنية، يجد نفسه أمام لحظة سيولة دولية، تعاد فيها صياغة أولويات الفاعلين الكبار، بما يفتح المجال أمام الفاعلين المحليين لإعادة التموضع إزاء بعضهم البعض، ولكن تحت ضغوط اقتصادية متزايدة توجع الجميع.
في هذا السياق، تتبدى إثيوبيا كحالة دالة على مفارقة أساسية، حيث تتيح الحرب الإيرانية للنظام الحاكم مساحة أوسع للحركة السياسية، في ظل تراجع نسبي للانخراط الغربي والخليجي، هذا التراجع لا يعني فقط انخفاض مستوى الضغوط السياسية، بل يفتح المجال أمام إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، سواء عبر تكثيف العمليات العسكرية في أقاليم مثل أمهرة وأوروميا، أو عبر إعادة صياغة التحالفات مع الفاعلين المحليين، غير أن هذا التحرر السياسي يقابله انكشاف اقتصادي واضح، إذ تعتمد إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، على ممرات بحرية تمر عبر مناطق توتر، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية لارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، حيث ترتفع أسعار الوقود والأسمدة، وتتزايد الضغوط التضخمية، بما يهدد بإعادة إنتاج التوترات الاجتماعية التي لم تحسم جذريا بعد، ومن ثم، فإن الدولة الإثيوبية تجد نفسها أمام معادلة مركبة في قدرة أكبر على إدارة المجال السياسي، يقابلها تآكل في القاعدة الاقتصادية للاستقرار.
وعلى النقيض من ذلك، تبدو الصومال أقل استفادة من هذه المتغيرات، بل وأكثر تعرضا لتداعياتها السلبية، بحكم طبيعة الدولة الهشة المعتمدة على الدعم الخارجي. فالحرب الإيرانية لا تؤثر على الصومال عبر مسار عسكري مباشر، بل من خلال إعادة توجيه الموارد الدولية بعيدا عنها، هذا التحول ينعكس في تراجع التمويل المخصص لمكافحة الإرهاب، وتعطل برامج بناء المؤسسات، وارتفاع تكاليف المساعدات الإنسانية، وهو ما يخلق بيئة مواتية لعودة حركة الشباب، ولا يتوقف الأمر عند حدود التمويل، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء؛ نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد إلى توسيع قاعدة الهشاشة المجتمعية، وهي البيئة التي تتغذى عليها الحركات المسلحة تاريخيا. ومن ثم، فإن الصومال يمثل نموذجا لحالة الانكشاف الهيكلي، حيث يؤدي تراجع النظام الدولي الداعم إلى إعادة إنتاج شروط عدم الاستقرار، حتى في غياب تهديد عسكري مباشر.
وفي هذا الإطار المتداخل، تكتسب العلاقات الإثيوبية-الإريترية أهمية خاصة، ذلك أن التحالف الذي تشكل في أعقاب اتفاق 2018، لم يتجاوز كونه تحالفا وظيفيا، فرضته ضرورات مواجهة جبهة تيجراي، ولم يتحول إلى شراكة استراتيجية مستقرة، ومع اندلاع الحرب الإيرانية، يتراجع دور الوسطاء الإقليميين، خاصة الخليجيين الذين لعبوا دورا في ضبط إيقاع العلاقة، وهو ما يفتح المجال أمام عودة التوترات الكامنة، ويتعزز هذا الاتجاه مع تصاعد أهمية البحر الأحمر كمجال تنافس دولي، حيث تزداد قيمة المواني الإريترية في معادلة الأمن البحري، في الوقت الذي تطرح فيه إثيوبيا مسألة الوصول إلى البحر كأولوية استراتيجية، وهو الأمر الذي يجعل الحرب الإيرانية تعيد العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا إلى حالتها الأصلية أي توازن هش بين التعاون القسري والتنافس الكامن، يمكن أن يميل في أي اتجاه تبعًا لتطورات البيئة الإقليمية.
ويزداد هذا التعقيد عند النظر إلى أمن البحر الأحمر، الذي يمثل الحلقة الأكثر حساسية في تفاعلات الحرب الإيرانية مع القرن الإفريقي، فحتى مع افتراض عدم مشاركة الحوثيين، فإن مجرد اندلاع الحرب يرفع من مستوى المخاطر في هذا الممر الحيوي، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية، وتكمن المفارقة هنا في أن التهديد لا يحتاج إلى أن يكون فعليا؛ لكي يكون مؤثرا، إذ يكفي ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، بما ينعكس مباشرة على اقتصادات دول الإقليم.
في هذا السياق، فإن ارتفاع مستوي المخاطر في البحر الأحمر من شأنه دفع القوي الدولية المتنافسة إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر، ما يحوله تدريجيا من ممر تجاري إلى مساحة تنافس استراتيجي مفتوح، خاصة إذا ما قررت إيران في مرحلة لاحقة استخدام أدواتها غير المباشرة، وهو ما يجعل باب المندب يعيش في حالة تهديد كامن دائم، يعيد تشكيل حسابات الفاعلين دون الحاجة إلى اندلاع مواجهة فعلية.
أما في ما يتعلق بالعلاقات الإثيوبية- السودانية، فإن الحرب الإيرانية تخلق ما يمكن تسميته بـالفراغ الاستراتيجي، الناتج عن انشغال القوى الإقليمية والدولية بملفات أخرى، وهو ما ينعكس على مسار الصراع في السودان، وعلى توازنات القوى فيه، في هذا السياق، تتزايد قدرة إثيوبيا على التحرك دون قيود، سواء في ما يتعلق بإدارة ملف سد النهضة بشكل أحادي، أو في ما يتعلق بتعزيز نفوذها في الفضاء السوداني، أو حتى في إدارة النزاع الحدودي في الفشقة، غير أن هذا الهامش يظل مقيدًا بطبيعة المشهد السوداني ذاته، الذي يتسم بتعدد الفاعلين وتعقيد التوازنات، فضلا عن احتمالات تصاعد الصراع في ظل تعطل الوساطات الدولية الناتج عن الحرب الإيرانية، ومن هنا، فإن إثيوبيا قد تستفيد من اللحظة، لكنها لا تستطيع التحكم في مآلاتها بالكامل.
في المحصلة، تبدو الحرب الإيرانية لا تنقل الصراع إلى القرن الإفريقي بقدر ما تنقل إليه منطق الصراع، حيث تتراجع القيود الدولية، وتتسع هوامش الحركة أمام الفاعلين المحليين، لكن في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة. ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تعريف موقع الإقليم داخل النظام الدولي، من هامش جغرافي إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها مسارات الطاقة والتجارة والأمن، غير أن هذه المكانة الجديدة لا تعني بالضرورة تعزيز الاستقرار، بل قد تعني العكس، إذ تزداد قابلية الإقليم للانزلاق نحو صراعات ممتدة، في ظل هشاشة البنى السياسية، واتساع نطاق التنافس بين القوى الكبرى..
وأيضا تساهم الحرب الإيرانية في خلق بيئة مواتية لإثيوبيا لإعادة تفعيل أجنداتها في السودان، سواء على مستوى الملفات الحدودية مثل الفشقة، أو على مستوى التأثير في مسار الصراع الداخلي السوداني، فمع انشغال المجتمع الدولي بالحرب، قد تتراجع الضغوط على أديس أبابا، وذلك لتعزيز نفوذها في شرق السودان، من خلال دعم قوى محلية أو بناء شبكات نفوذ اقتصادية، وكذلك محاولة التأثير في موازين القوى داخل السودان، بما يخدم مصالحها.
في المحصلة، تكشف تداعيات الحرب الإيرانية على القرن الإفريقي عن نمط من التأثيرات غير المباشرة، التي تتجاوز منطق الصراع الثنائي، لتشمل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وفتح نوافذ جديدة للحركة أمام الفاعلين المحليين، غير أن هذه النوافذ تظل محفوفة بالمخاطر، في ظل هشاشة البنى السياسية، وتداخل المصالح الدولية.
وعليه، فإن إدارة هذه التداعيات تتطلب من دول الإقليم، تبني مقاربات أكثر حذرا، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الذاتية، كما تفرض على القوى الدولية إعادة التفكير في استراتيجياتها تجاه القرن الإفريقي، بما يضمن عدم تحول هذه المنطقة إلى ساحة إضافية للتنافس في ظل تصاعد الأزمات العالمية.
وهكذا لا تمثل الحرب الإيرانية مجرد حدث خارجي محدود بالنسبة للقرن الإفريقي، بل هي عامل يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية، بما يحمله من فرص وتحديات، ويختبر في الوقت ذاته قدرة دول القرن الإفريقي على التكيف مع نظام دولي، يتسم بدرجة عالية من الفوضى غير المسبوقة في السياسيات الدولية تقودها واشنطن.
أماني الطويل – مصر 360

